الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ وصايا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره للإخوان في الطريقة - جزء 4
وصايا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره للإخوان في الطريقة - جزء 4 - PDF

وصايا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره للإخوان في الطريقة - جزء 4


اعْلَم أَنَّ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ قَدْ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَ كُلُّ مَا أُخِذَ لَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَحَرَامٌ ، إِلَّا مَا يُؤْخَذُ بِصُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ قَهْرِيَّةٍ : كَأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ مَانِعِهَا ، وَ مَا يَتبِعُ مِنَ الحُقُوقِ اللَّازِمَةِ شَرعًا ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبِ الفُرُوعِ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا ، فَإِنَّ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهَا مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ حَلَالٌ لِتَعَلُّقِ الحَقِّ الشَّرْعِيِّ بِهِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ :" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَ أَمْوَالَهُم إلَّا بِحَقِّهَا وَ حِسَابُهُم عَلَى الله ".
وَ أَمَّا غَيْرُ هَذَا فَإِنَّ أَخْذَ مَالِ المُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ حَرَامٌ بِالإِجْمَاعِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُم دِمَاءَكُم وَ أَمْوَالَكُم إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُم ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا ، فِي شَهْرِكُم هَذَا ، فِي بَلَدِكُم هَذَا ، اللَّهُمّ هَلْ بَلَّغْت ، فَقَالُوَا : اللَّهُم نَعَم ( الحَدِيث ) وَ قَضِيَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي الصِّحَاحِ ، وَ قَال سُبْحَانَه وَ تَعَالَى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِل إِلَّا أَن تَكُون تِجَارَة عَن تَرَاضٍ مِنْكُم)

فَالمَرْجِعُ فِي الحُكْمِ إِلَى هَذِهِ النُّصُوصِ المُحْكَمَةِ العَظِيمَةِ القَدْرِ ، وَ الوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهَا فَرَضٌ لَازِمٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا ، فَمَا مَضَتْ عَلَيْه عَادَةُ الأَعْرَابِ وَ الظَّلَمَةِ مِن اقْتِحَامِهِم وَ أَخْذِهِم مَالِ اليَتِيمِ بِغَيْرِ صُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، فَكُلُّ مَا بِأَيْدِيْهِم حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مُعَامَلَتُهُمْ بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ العوَضِيَّةِ ، وَ لَا قَبُولُ عَطِيَّاتِهِم وَ هَدَايَاهُم فَكُلُّ ذَلِك حَرَامٌ ، فَهَذَا حَدُّهُ فِي الْأصْلِ
ثُمَّ إِنْ كَانَ البَلَدُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِك ، وَ لَا يُوجَدُ غَيْرُِهُ بِأَيْدِيهِم بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ المُخَالَطَةِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ ، وَ مَن تَعَلَّلَ، مِمَّن يَنْتَسِبُ لِلفِقْهِ وَ إِلَى الإِسْلَامِ ، فَأَخَذَ ذَلِكَ مُسْتَحِلّا لَهُ ، مُعْتَذِرًا بِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَ يُسَجَِّلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُقْتَحِمٌ مَا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى ظُلْمًا ، وَ لَا تَحُلُّ سُكْنَى المُؤْمِنِ فِي ذَلِكَ المَحَلَّ وَ لَا بَقَاؤُهُ بَيْنَهُم ، وَ الهِجْرَةُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ وَاجِبَةٌ لِتَوَاتُرِ نُصُوصِ الشَّرْعِ الطَّاهِرِ .
وَأَمَّا مَا كَانَ مَخْلُوطًا عِنْدَهُم بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التِّجَارَةِ مَثَلا ، أَوْ أُتْلِفَ عَيْنُهُ وَ اشْترى بَدَلَهُ عَيْنا أُخْرَى ، أَوْ بِوَجْهٍ مِن الحِرَاثَةِ أَو الصِّنَاعَةِ ، أَو ضَمّ حَلَالٍ بِصُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ إِلَيْهِ ، فَبِالأَصْلِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلِّه حَرَامٌ بِسَبَبِ مَا اخْتَلَط فِيهِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِهَذَا الأَصْلِ وَ جَرَى عَلَيْه .

ثُمَّ إِنْ تَنَزَّلَ الأَمْرُ إِلَى عُمُومِ ذَلِك فِي الْأَرْض وَاخْتَلَط ذَلِكَ بِصُورَة حَلَالٍ وَ صُورَة حَرَامٍ بِأَيْدِي كَاسَبِيهِ ، كَمَا هُوَ صُورَةُ الوَقْتِ ، فَعَلَى المُؤْمِنِ فِي إِقَامَةِ فَرْضِ طَلَب الحَلَالِ أنْ يَتَجَنَّبَ مَا عُلِمَتْ صُورَتُهُ صُورَة الغَصْبِ وَ المُحَرَّمِ .

وَ مَا جُهِلَ مَنْ ذَلِكَ ، وَ كَانَ الأَصْلُ الإِخْتِلَاطُ بِصُورَة حَلَالٍ وَ صُورَة حَرَامٍ كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا مِنْ عُمُومِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ كَمَا هُوَ صُورَةُ الوَقْتِ رَجَعَ إِلَى الأَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ أُصُولِ الحَلَالِ وَهُوَ : كَوْنُ الحَلَالِ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ .
فَإِنَّ صُورَةَ الحَلَالِ كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ : مَا عُرِفَ أَصْلُهُ وَ أَصْلُ أَصْلِهِ ، ثُمَّ لَمَّا انْقَضَت مُدَّةُ الخِلَافَةِ وَ رَجَعْتْ مُلْكًا عَضُوضًا ، صَارَ الحَلَالُ هُوَ : مَا عُرِفَ أَصْلُهُ فَقَطْ ، ثُمَّ لَمَّا زَادَ الفَسَادُ وَ طَمَا بَحْرُهُ صَارَ الحَلَالُ هُوَ : مَا جُهِلَ أَصْلُهُ ، وَهِي المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ فِي الحَلَالِ ، وَ عَلَى هَذَا الحَدَّ وَ هَذَا المِنْوَالِ يَجْرِي الحُكْمُ فِي مُعَامَلَةِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ بِوُجُوهِ العوَضِ ، وَ قبُولُ عَطِيَّتِهِمْ ، فَلَا يجْتَنبُ مِنْهَا إِلَّا مَا عرفَ صُورَةُ الحَرَامِ فِيهِ ، مِثْلَ الشَّيْءِ المَغْصُوبِ وَ المَأْخُوذِ مِنْ ثَمَنِ الخَمْرِ ، وَ المَأْخُوذِ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ أَوْ رِبَا الفَضْلِ ، وَ يُقَاسُ مَا لَمْ يُذْكَرْ عَلَى مَا ذُكِرَ .

وَ أَمَّا مَا جُهِلَتْ صُورَتُهُ ، فَإِنْ عُلِم مِنْ صَاحِبِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا الحَرَامُ وَ لَمْ يَخْلِطْهُ بِصُورَةٍ أُخْرَى كَالحِرَاثَةِ ، وَ التِّجَارَةِ ، وَ إِبْدَالِ عَيْنٍ بِأُخْرَى ، وَ إِضَافَةِ حَلَالٍ لَهُ ، لَمْ يُحَرَّمْ مِمَّا بِيَدِهِ إِلَّا مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فِي التَّحْرِيمِ وَ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ فَحَلَالٌ ، وَ قَوْلُنَا فِي هَذَا المَحَلِّ حَلَالٌ : إِنَّمَا هُو حَلَالٌ عَرَضِيٌّ لَا أَصْلِيٌّ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ بِكَثْرَةِ الفَسَادِ وَ عُمُومِهِ فِي الْأَرْضِ ، وَاحْتِيَاجُ العَبْدِ إِلَى القُوتِ ، يَكُونُ حَلَالًا بِمَا أَعْطَاهُ الوَقْتُ وَ حُكْمُهُ : الضَّرُورَةُ ، فَقَد قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى : ( و مَا جَعَل عَلَيْكُم فِي الْدِّيْن مِن حَرَج )
وَ كَذَا قَالَ القُطْبُ الكَامِلُ الوَارِثُ الوَاصِلُ : سَهْل ابْن عَبْد الله التّسْترِي رَضِي الله عَنْه : لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا عَبْطَةً مِنْ دَمٍ ، لَكَانَ قُوتُ المُؤْمِنِ مِنْهَا حَلَالًا ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ العِبَادَةَ عَلَى العَبْدِ وَ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا كَمَا هُو نَصُّ الآيَة .

فَإِذَا تَتَبَّعَ فِي الأَرْضِ وُجُوهَ الحَلَالِ وَ عَمَّتْ البَلِيَّةُ فِي الأَرْضِ كَانَ تَنَاوُلُهُ لِلحَلَالِ الأَعْلَى فَالأَعْلَى : إِمَّا أنْ يَكُونَ مِمَّا عُرِفَ أَصْلُهُ وَ أَصْلُ أَصْلِهِ كَمُعَامَلَةِ الحَرْبِيِّينَ بِأَخْذِ الأُجْرَةِ مِنْهُمْ عَلَى الخِدْمَةِ وَ الِاشْتِرَاءِ مِمَّا بِأَيْدِيهِم ، فَإِنَّ مَا بِأَيْدِيهِم كُله حَلَالٌ لَا مُعَارَضَةَ فِيهِ فَمَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى هَذَا وَ أَمْكَنَهُ فَلَا يُعَامل المُسلِم المَجْهُول مَا بِيَدِه بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ ، وَ لَا يُعَامل إِلَّا الكُفَّار الحَرْبِيِّينَ لِتَمَحُّضِ الحَلَالِ بِأَيْدِيهِم وَلَوْ أَخَذُوا مَالَ المُسْلِمِينَ فَمَالَهُم كُلُّهُ حَلَالٌ ، وَ مُعَامَلَتُهُمْ حَلَالٌ فِي غَيْرِ الخِيَانَةِ وَ الأَخْذِ بِالأِيْمَانِ الكَاذِبَةِ وَ الغَدْرِ فَذَلِكَ حَرَامٌ .

ثُمَّ إِنْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا، فَيَتَنَزَّلُ إِلَى مَا عُرِفَ أَصْلُهُ، فَقَطْ كَمَنْ وَجَدَ كَنْزًا مِنَ المَالِ بِصُورَةِ الجَاهِلِيَّةِ فِي أَرْضٍ غَيْر مَمْلُوكَةٍ، وَ كَذَا المَعْدَنُ عَلَى هَذِهِ الصُّوَرَةِ وَ الصَّيْدُ وَ غَيْرُهُ .
وَ دُونَ هَذَا فِي المَرْتَبَةِ : مَا جُهِلَ أَصْلُهُ وَ عُرِفَ اخْتِلَاطُهُ بِأَيْدِي كَاسِبِيهِ ، وَ لَهُ مَرَاتِبُ مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبِ الفُرُوعِ
وَآخِرُ مَرَاتِبِ الحَلَالِ : إِذَا عَمَّتْ البَلِيَّةُ فِي الأَرْضِ وَ لَمْ يَجِدْ المُؤْمِنُ مِنْهُ لِقُوتِهِ إِلَّا الصُّوَرَةَ المُحَرَّمَةَ وَ أَلْجَأَهُ الحَالُ إِلَى ذَلِك : حَلَّ لَهُ أَخْذُ قُوتِهِ فَقَطْ كَاقْتِيَاتِ الجَائِع مِنْ لَحْمِ المَيْتَةِ وَ الخِنْزِيرِ فَقَطْ
وَ السَّلَام


بعض تعاليم الطريقة التجانية