الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ في قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان
في قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان - PDF

في قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان

سأل رضي الله  عنه عن معنى قوله تعالى في حق النبي صلى الله عليه و سلم: { ماكنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان} الشورى. وفي الآية الأخرى، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم  إلى غير ذلك من الآيات التي نحت هذا النحو، مع حديث عائشة  رضي الله عنها أنها قالت: "‏من قال إن النبي صلى الله عليه و سلم يعلم ما في غدا فقد كفر" أو ما هذا معناه مع أن علم ‏ الأولين والآخرين محمول في ذاته الشريفة ؟
الجواب:
اعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم  كان يعلم علوم الأولين والآخرين إطلاقا وشمولا، ومن
جملة ذلك العلم بالكتب الإلهية فضلا عن القرآن ويعلم مطالب الإيمان بدايته ونهايته ،وماهية الإيمان وما يفسده وما يقويه، كل ذلك هو ثابت في حقيقته المحمدية صلى الله عليه و سلم  ، وأما قوله سبحانه وتعالى: { ماكنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان } فإن هذا الحال كان قبل النبوة ، لم يعلمه الله بحقيقة الإيمان ولا بكيفية تنزيل الكتب، ولا بماهية الرسالة وتفصيل مطالبها كل ذلك حجبه الله عنه قبل النبوة وهو مكنوز في حقيقته المحمدية ولا يعلمه ولا يشعر به حتى إذا كان زمن النبوة رفع الله ‏عنه الحجب، وأراه  حقيقته المحمدية، يشهد لذلك قوله صلى الله عليه و سلم:" ‏رأيت ربي في صورة شاب"   ‏إلى أن
قال: "وضع يداه بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمني علوم الأولين و الآخرين. " ‏، وهذا كان في زمن النبوة رفع الله عنه الحجاب، وأراه ما أدرجه الله له في ‏حقيقته المحمدية من كنوز المعارف والعلوم.، والأسرار التي لا يحاط بساحلها، ولا ينتهي إلى غايتها.
وإياك أن تفهم من هذا أن حقيقته المحمدية كانت عارية عن هذا قبل النبوة ، فلا يصح هذا الظن بل حقيقته المحمدية لم تزل مشحونة   ‏من جميع هذه المعارف والعلوم والأسرار من أول الكون من حيث أنه أول موجود أوجده الله تعالى قبل وجود كل شيء وفطره على هذه العلوم والمعارف  والأسرار، ولم يزل مشحون بها إلى أن كان زمن وجود جسده الكريم صلى الله عليه و سلم، فضُرب الحجاب بينها وبين علمه بها صلى الله عليه و سلم إلى أن كان زمن النبوة فرفع الحجاب، وأطلعه على ما أودعه في حقيقته المحمدية  .
‏فقد كان صلى الله عليه و سلم قبل النبوة من حين خروجه من بطن أمه لم يزل من أكابر العارفين ، ولم
يطرأ عليه حجاب البشرية الحائل بينه وبين مطالعة الحضرة الإلهية القدسية، وكان من أفراد العالم والفرد نسبته إلى عموم العارفين والصديقين، كنسبة العارف بالله إلى العامة لا يعرفون شيئا.
كان صلى الله عليه و سلم في تلك المرتبة متحققا أن يأخذ العلم عن الله بلا واسطة، ولا يجهل شيئا من أحوال الحضرة الإلهية، و إنما حجب الله عنه في هذا الميدان ماهية الرسالة، ومطالبها وما يؤول إليه وما يراد منه ، وكذا حجب الله عنه العلم بكيفية نزول الكتب ، حتى إذا بلغ مرتبة النبوة رفع الحجاب بين علمه، وبين ما كان مودوعا في حقيقته المحمدية من العلوم والمعارف والأسرار، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه و سلم: " كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين " وحيث كان في ذلك الوقت نبيا يستحيل أن يجهل الرسالة والنبوة والكتاب، ومطالبات جميع ما يؤول إليه كل منها وما يراد من جميعها ، فالحديث شاهد على ما ذكرناه ويدل على ذلك أيضا أنه صلى الله عليه و سلم قبل وجود جسده الكريم ما بعث الله نبيا، ولا رسولا ‏في الأرض إلا كان هو صلى الله عليه و سلم ممد ذلك الرسول أوالنبي من الغيب، من حيث أنه لا يتأتى نبي ولا ‏رسول أن ينال من الله تعالى قليلا ولا كثيرا من العلوم والمعارف والإسرار، والفيوض والتجليات والمواهب والمنح  والأنوار والأحوال إلا بواسطة الاستمداد منه صلى الله عليه و سلم، وهو الممد لجميعها في عالم الغيب فكيف يمدهم بما هم علماء به ، وهو جاهل به صلى الله عليه و سلم، ولم يزل يركض في هذا الميدان ركضا لا تماثله فيه الأرواح ولا تُشم لمقامه الأعظم فيه رائحة، وهو فيما قبل وجوده صلى الله عليه و سلم، كحالة علمه بعد رسالته في الفيض والمدد على جميع الأنوار وأما حجب الله عنه هذه الأمور ،أعني من بعد وجود جسده الشريف وقبل نبوته، وهي مكنوزة في حقيقته المحمدية لسر علمه الله.
‏ وسر ذلك أنه لو كشف الله له قبل النبوة ما أدرجه في حقيقته المحمدية، وتكلم به قبل زمن الرسالة و البعث ، لوقع الريب في نفس المدعوين فيما تحدى لهم به من الرسالة يقولون له: إنما كنت تتكلم بهذا الأمر من أول أمرك نقلته عن غيرك لست نبيا."، فستره الله عنه كي لا ينطق به ، فلما كان زمن النبوة رفع الله الحجاب عنه، وما رأى الناس فيه صلى الله عليه و سلم قبل نبوته من كونه أميا لا يعلم شيئا ولا يدري شيئا، ولا وقعت له مخالطة أحد من أهل الكتب أو القرب منه ، ليكون  إذا كلمهم بما كلمهم به من أحوال الرسالة والنبوة يعلمون أن ذلك حق لأنه صدر من أمي لا يعلم شيئا ، فهذا سر الاحتجاب.
وشاهد هذا قوله  سبحانه وتعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب
المبطلون
} العنكبوت . وأما قوله تعالى : {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } الأحقاف ، فالجواب أنه صلى الله عليه و سلم عنده العلم القطعي بأنه عروس المملكة الإلهية ، وأنه ليس في جميع الخليقة أكرم منه على الله تعالى ولا أحب إليه منه ولا أعز ولا أكبرحظوة عند الله منه، وأنه مأمون العاقبة في الآخرة لا يلحقه لا ألم ولا عذاب وأنه في الدرجة التالية من النعيم الدائم المقيم ورضا الله الأبدي السرمدي، كل هذا لا يدخله فيه ريب ولا شك.
وما ذكر صلى الله عليه و سلم من قوله : {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم }   ‏يحتمل أنه أراد تفصيل ما يقع به من النعيم، وتفصيل العطايا والمنح الواردة عليه من الله تعالى ، فإنه إن علم بجملها يمكن أن لا يحيط  بتفاصيلها على دوام الأبد في الجنة، فإن في علم الله ما لا تسعه العقول.
ويحتمل أن يكون أراد بقوله : {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم }  رد الأمر إلى إحاطة العلم الأزلي الإلهي، فإن علم الله  في هذا الميدان لا يحيط به محيط لا نبينا صلى الله عليه و سلم ولا غيره يشهد لذلك قوله صلى الله عليه و سلم :" ولا أعلم إلا ما علمني الله " وقوله حاكيا عن نفسه بما ذكر الله عنه في الآية : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله  ولا أعلم الغيب " فيحتمل أنه رد الأمر إلى حقيقة العلم الأزلي لأنه لا يحاط به، وان كان ‏عالما بما ذكر أولا.
وأما أن يتوهم من هذا الخبر أنه لا يعلم هل يرحمه الله  أو يعذبه ويقربه أو يطرده  في الدار الآخرة ، فهذا لا تقبله الحقيقة يدل عليه قوله سبحانه وتعالى :  { ولسوف يعطيك ربك فترضى } الضحى.  وقوله: {وكان فضل الله عليك عظيما } ‏النساء. ومحال أن يكون هذا الأمر منه سبحانه وتعالى، وهو يتخوف عليه العذاب، فإن وعده لا يخلف.
وأما الخبر الوارد عن عائشة إن صح وهو قولها: "من قال إن النبي صلى الله عليه و سلم يعلم ما في غد فقد كفر" أو ما هذا معناه، فلا يتأتى هذا إن سمعته من النبي صلى الله عليه و سلم إلا أن يكون كتم الأمر عنها لسر ظهر له في ذلك الوقت لا يمكن كشفه لها ، كما كتم عنها رؤيته للذات العلية بعيني رأسه، وهو واقع له صلى الله عليه و سلم بالإجماع، فيكون كتمه له عنها لسر ظهر له في ذلك الوقت، والأخبار والآثار وكتب الحديث كلها مشحونة بإخباراته بالغيوب التي تأتي من بعده المتقاربة والمتباعدة حتى قال بعض الصحابة رضي الله عنه:" ما ترك صلى الله عليه و سلم  أمرا يكون في أمته من بعده إلا ذكره إلى قيام الساعة."، وقوله صلى الله عليه و سلم: "ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار‌ " الحديث ‏والاخبار كثيرة متواترة حتى لا يكاد أن يرتاب فيها أحد من المسلمين .
ويبقى اعتراض وهو أن يقال إن صح ما ذكرتم، وكان هذا السر هو المانع من ظهور ما في حقيقته المحمدية قبل النبوة، فلما لا يكون رسولا ولا نبيا من أول نشأته حتى لا يحتجب عنه ما في حقيقته المحمدية كما كان حال الغيب قبل وجود جسده الكريم؟
فالجواب عن هذا الاعتراض أن منْع الله له من الرسالة والنبوة قبل بلوغه أربعين سنة أن النبوة والرسالة لا تكون إلا عن تجل إلهي لو وضع أقل قليل منه على جميع ما في كورة العالم كله لذابت كلها بثقل أعبائه، وسطوة سلطانه، فلا تقدر الأنبياء على تحمل أعبائه، والثبوت لسطوة سلطانه إلا بعد بلوغهم أربعين سنة.
‏وأما قبل بلوغ أربعين سنة  فلا قدرة لأحد على تحمل أعباء ذلك التجلي لما فطرت عليه البشرية من شدة الضعف ، ححتى إذا بلغ الإنسان أربعين سنة  وكان في علم الله نبيا و رسولا  أفاض على روحه من قوته الإلهية ما يقدر به على أعباء ذلك التجلي، فلهذا السر لم يتنبأ أحد إلا بعد أربعين سنة ، وهذا هو لمانع له من النبوة قبل ذلك صلى الله عليه و سلم ولغيره من النبيين.
 وأما سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، فكونه نبيا قبل الأربعين فلأنه لم يكن بشريا محضا إنما كان نصفين نصف بشري ونصف روحاني إذ نشأ من نفخة الروح الأمين في فرج أمه، فقوي فيه ضعف البشرية، وزاد بذلك قوة على النبيين، فلذلك بعث قبل الأربعين للقوة التي أعطيها من نفخ الروح الأمين في فرج أمه. فإن قلت: يلزم من هذا أن يكون أقوى منه صلى الله عليه و سلم، فالجواب أنه لم يكن أقوى منه صلى الله عليه و سلم، ولكن لما كان صلى الله عليه و سلم كامل البشرية من جهة أبيه وأمه كان فيه ضعف البشر وأعطى فيه القوة الإلهية المودعة فيه التي تزيد على قوة عيسى وغيره والسلام.


بعض تعاليم الطريقة التجانية