بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

يمكنكم أن تجدوا جميع فيديوهاتنا حول مدينة فاس و فيديوهات أخرى في قناتنا على اليوتوب

 

 

 

نبذة تاريخية: 

تأسست مدينة فاس حوالي سنة 789م من قبل أحد أحفاد الرسول صلى الله عليه و سلم هو الولي الصالح مولاي ادريس الأول(رضي الله عنه)، و في حدود سنة  809م أصبحت مقر حكم السلالة الإدريسية من طرف ولده الصالح مولاي ادريس الثاني(رضي الله عنه) والذي يوجد ضريحه بها.

في سنة 818م تكوَّن حيَّان منفصلان في هذه المدينة المشرَّفة بسبب قدوم مجموعات كبيرة من السكان، من جهة جاء ما يقرب عن 8000 عائلة من قرطبة (لاجئون أندلسيون) ومن جهة أخرى ما يقرب عن 2000 عائلة من القيروان (القطر التونسي حاليا).

 

صورة خارجية لزاوية سيدنا أحمد التجاني(رضي الله عنه) المباركة،فاس- المغرب

توسعت هذه المدينة الملكية و أثريت خلال القرون و الأحداث اللاحقة، وأصبحت سنة 859م مشتملة على أحد أهم المراكز الروحية و العلمية الإسلامية: جامع القرويين.

تعود تسميته في الأصل الى الحي الذي يوجد فيه وهو حي القيروانيين، وقد تأسس بهبة من امرأة صالحة من أبناء هؤلاء المهاجرين وهي فاطمة بنت محمد الفهري التي تبرعت بكل ثروتها من أجل بناء هذا الجامع العريق، يحتوي الجامع على 14 بابا و تتسع قاعة الصلاة فيه ل 20.000 شخص، كما يشتمل علاوة على ذلك على أقدم جامعة في العالم، مر خلالها  أكبر وأشهر الشخصيات العلمية في جميع الفنون، و كان يزاول التعليم بها ما يقارب عن 8000 طالب علم في القرن الرابع عشر للميلاد .

فقدت مدينة فاس خلال تاريخ السلالات التي حكمتها ميزتها كعاصمة للمملكة لصالح مدينة مراكش و من ثم مكناس، و لكنها تحصلت عليها من جديد في عهد حكم السلطان العلوي مولاي عبد الله(1729م- 1759م) و بقيت عاصمة إلى 1912، التاريخ التي تحولت فيه عاصمة المغرب إلى الرباط، و لكنها ظلت مع ذلك العاصمة الروحية للبلاد.

 

سيدنا أحمد التجاني رضي الله عنه و مصيره في فاس

 

في المرة الاولى التي رحل فيها سيدنا أحمد التجاني رضي الله عنه إلى فاس لم يكن يبلغ من العمر سوى 21 عاما، و قد ارتحل اليها بنية طلب العلم في الجامعة الإسلامية الشهيرة القرويين، و من ثم عاد إلى عين ماضي بعد أن تحصل على جميع الإجازات العلمية.

في المرة الثانية التي ارتحل فيها رضي الله عنه للإقامة في مدينة  فاس ، كان له من العمر رضي الله عنه63  عاما، فقد هاجر من بوسمغون في 17 ربيع الأول 1213 للهجرة(1797م/1798م) مع كامل عائلته، ووصل إلى فاس في 6 ربيع الثاني من نفس العام، حاملا معه الإرث النبوي الثمين لرسول الله (صلى الله عليه و سلم): الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية.

رجل بسيط الشكل عليه علامات خشونة الصحراء، من الطبيعي أن يثير تحفظ أهل فاس و علمائها أصحاب السمت و الأناقة، لكن سرعان ما ترك ذلك الشكل مكانه للمضمون، حيث لم يجد علماء فاس بدا من الإذعان له أمام ما رأوه من سعة علمه و حدة ذكائه و قوة استنباطه الذين لم يكن يجاريه فيهم أحد، إلى أن وصل أمره لسلطان المغرب الإمام العادل و العالم العامل مولانا سليمان بن محمد (رضي الله عنه)، مع أخبار ما يثار حوله من الضجة و ما يقال عنه من أنه حامل لأمانة الرسول صلى الله عيه و سلم و تلميذه بالمباشرة الذي يراه يقظة. إختبره السلطان مولاي سليمان(رضي الله عنه) و امتحنه عديد المرات حتى تأكد من صدق حاله و مقاله، حينها رحب به و سهل و نوه بقدره  الى درجة أنه انخرط على يديه في سلك طريقته المباركة، بعد ذلك أهدى له دارا جميلة من أملاكه الخاصة تسمى بدار المرايا، لكن  سيدنا أحمد التجاني (رضي الله عنه) لم يقبلها في البداية إلا بعد ما حصل على الإثبات أن هذا المنزل لم يكن من الأملاك العامة، ثم بعد أيام من سكناه أخبر الخاصة من أصحابه بأنه إنما يسكنها بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عليه الصلاة والسلام أمره أن يتصدق بمقدار كرائها على المساكين، و كان يتصدق بذلك خبزا عند انقضاء كل شهر من أشهر المدة التي سكن بها إلى أن توفي رضي الله عنه...

 

قبل بناء الزاوية المباركة بفاس كان سيدنا أحمد التجاني رضي الله عنه غالبا ما  يؤدي صلواته في مسجد الديوان،في هذا المسجد أجاز للخليفة سيدي الحاج علي حرازم رضي الله عنه في كتاب جواهر المعاني وسائر ما فيه وكتب له ذلك بخط يده المباركة ، و كان قد شرع  في تأليف الكتاب بعدما أمره سيدنا أحمد التجاني (رضي الله عنه) بجمعه ونظم فوائده،و كان ذلك عام 1213للهجرة أي بعد شهرين تقريبا من وصوله إلى فاس، وانتهى من تأليفه عام1214 للهجرة.

من بين عادات سيدنا أحمد التجاني (رضي الله عنه) أنه بعدما تلقى الضمان من النبي (صلى الله عليه و سلم) بأن من رآه رضي الله عنه يوم الاثنين أو يوم الجمعة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب،كان يخرج خصيصا في هذين اليومين ليقف على حافة الطريق أين يمر أكبر عدد من المارة، و كذا كان يصلي في المسجد الذي يوجد فيه أكبر عدد من المصلين، لأجل أن يستفيد أكثر عدد ممكن من الناس من هذا الضمان الشريف.  

في هذه المدينة المباركة كتب لسيدنا رضي الله عنه أن يتحصل على أعلى مقامات الولاية المحمدية كما صرح بذلك الشيخ محي الدين ابن عربي (رضي الله عنه) قبل ستة قرون حيث التقى بروحانيته في فاس، وقد حصل على ذلك في سن 63 عاما في سنة  1214 هجري (1799م) حيث بلغ سيدنا أحمد التجاني (رضي الله عنه) مقامه الموعود الذي بشر به منذ صغره وتسلمه بواسطة سيد الوجود صلى الله عليه و سلم.

 

الزاوية التجانية الكبرى بفاس

 

اعلم أنه قبل إنشاء الزاوية المباركة، كان أصحاب سيدنا رضي الله عنه غالبا  يجتمعون لذكر الوظيفة بباب داره رضي الله عنه بمدينة فاس، و تارة في بعض مساجدها إلى أن أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) سيدنا رضي الله عنه ببناء الزاوية المباركة، و أن يختار لها أحسن البقاع و أطيبها، فاختار رضي الله عنه بإشارة منه، الموضع الذي بنيت فيه، بحومة الدرداس المعروفة اليوم بالبليدة، فاشترى رضي الله عنه من ماله الطيب الحلال ذلك الموضع و كان خربة منهدمة، و كانت فيها كرمة كبيرة، و بموضعها دفن سيدنا رضي الله عنه، و كانت تلك الخربة مهيبة لا يقدر أحد أن يدخلها وحده، و كان يُسمَع فيها في بعض الأحيان كأن جماعة يذكرون فيها و كان يقصدها غالب مذاجيب فاس .
و كان قبل بنائها يأتي إلى تلك الخربة المذجوب المشهور سيدي اللهبي و يجعل أذنه على بابها و يقول للمارين ائتوا لهذا الموضع تستمعوا للذكر، فلما أنشئت الزاوية هناك، صار يقول في الزقاق على عادة المجاذيب، تحصنت فاس خصوصا الدرداس ( و كانت حومة البُلَيْدة تسمى الدرداس) .
ثم اشترى سيدنا رضي الله عنه ما جاورها، و كان من جملة ما أضاف إليها بيت محبس على امرأة، و قد أرضاها سيدنا رضي الله عنه في ثمنه، بإذن من النبي صلى الله عليه و سلم.
و لما أراد سيدنا رضي الله عنه بناءها تعصب أهل فاس و صارت كلمة مبغضيه واحدة على عدم بنائها، و بلغ الأمر لأمير المؤمنين مولانا سليمان رضي الله عنه، فأجبرهم القبول بالبناء لما شاهده من كرامات سيدنا رضي الله عنه، و بعث له مولانا سليمان صرتين من المال وقال له استعن بهما على بنائها فردهما الشيخ رضي الله عنه وقال له أمرها قائم بالله. فألح عليه في قبولها فامتنع سيدنا رضي الله عنه من صرفها في شؤونها بل أمر بالصدقة بهما على الفقراء والضعفاء.
و كان أول إنشائها و بنائها عام 1215للهجرة (1800م)
واعلم أن هذه الزاوية المباركة لها من  المزايا ما افتخرت به على جميع الزوايا ، حتى أن سيدنا رضي الله عنه كان يتكلم يوما في فضلها فقال : " لو علم أكابر العارفين ما في الزاوية من الفضل لضربوا عليها خيامهم " و كان رضي الله عنه كثيرا ما ينوه بقدرها و يحض على الصلاة فيها و يقول : " الصلاة في الزاوية مقبولة قطعا ."
و هذه الكرامة لا تقتضي تفضيل الزاوية المباركة على غيرها من المساجد التي ورد النص بتفضيلها لأنها مزية فقط، و المزية لا تقتضي التفضيل.

ومن خصائص هذه الزاوية المباركة، أن أرضها لا يدفن فيها أحد، تطهيرا و تعظيما، و قد شدد سيدنا رضي الله عنه في ذلك حتى قال: "من يدفن في الزاوية تأكله النار لا محالة ".

 ثم زيد في الزاوية عام 1302 للهجرة ما هو من جهة المحراب الجديد، ثم ماهو من جهة السقاية مع الباب الجديد بتاريخ 1316 للهجرة، و في سنة 1322 رصع بالتزليج و التزويق وجه الجدار المقابل لضريح سيدنا رضي الله عنه، و في أوائل سنة 1324 زيد في الزاوية المزارة التي بين البابين و لازالت الزاوية المباركة أمرها قائم بالله مصداقا لما أخبر به سيدنا رضي الله عنه و لا زالت الإضافات فيها إلى يوم الناس هذا  ( أنظر في الركن الخاص بالصور) .

 

وفاة سيدنا رضي الله عنه

كانت وفاته رضي الله عنه يوم الخميس السابع عشر من شوال 1230 هجري الموفق 1815 ميلادي و عمره ثمانون سنة، ودفن في فاس رضي الله عنه وأرضاه،

و في مرضه الذي توفي فيه طلب أن يُحضَر له القصيدة الدالية للإمام البوصيري رضي الله عنه ولعدم إمكانية الحصول عليها بفاس قام بعض خاصته بجلبها من مدينة مكناس فأمر أن تسرد بين يديه ، و ما إن تمت لم يعد سيدنا رضي الله عنه يكلم أحدا.

كما أمر أن تُسرد  قصيدة الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه ليلة وفاته (و قيل أنها وجدت مقيدة في بطاقة عند رأس  الإمام الغزالي يوم موته أيضا) و نصها

قل  لأخوان   رأوني    ميتا                                 فبكوني   و  رثوني   حزنا

أعلى  الغائب مني   حزنكم                                 أم على الحاضر منكم هاهنا

أتظنون    بأني       ميتكم                                 ليس  ذاك الميت  و الله  أنا

أنا في الصور وهذا  جسدي                                كان ثوبي  و  قميصي  زمنا

أنا  در  قد  حواني   صدف                                كان  سجني   فألفت  السجنا

أنا  عصفور و هذا   قفصي                                طرت    عنه   فتخلى   للفنا

أشكر  الله  الذي   خلصني                                 و بنا  لي  في  المعالي ركنا

كنت قبل  اليوم  ميتا  بينكم                                 فحييت   و خلعت    الكفنا

فأنا   اليوم    أناجي    ملأ                                 و   أرى  الحق  جهارا  علنا

عاكف في اللوح أقرا و أرى                                كل  ما  كان  و  يأتي  أو دنا

 

وحينما اقتربت الوفاة من سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه بدأ يردد بدون انقطاع لشدة ما به من الحال : " الله! الله! النور أحرق قلبي ! الله ! النور أحرق قلبي! " ، وعند الفجر طلب ممن كان من الحاضرين أن ينصرفوا بعد أن أخبرهم بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحضره  مع الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، ولم يبق معه إلا بعض الخاصة.

و بعد أن أدى فريضة الصبح اضطجع رضي الله عنه على جنبه الأيمن و دعا بماء فشرب منه ، ثم عاد إلى اضطجاعه على حالته، فطلعت روحه الكريمة من ساعته و صعدت إلى مقرها الأقدس.

حضر جنازته المباركة رضي الله عنه ما لا يكاد يُحصى من علماء فاس و صلحائها و فضلائها و صلى عليه إماما العلامة مفتي فاس الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الدكالي، وازدحم الناس على تشييع جنازته و حملها و حضور الصلاة عليه.

 

حادثة رحيل ولدي سيدنا الشيخ رضي الله عنه

 

أوصى سيدنا أحمد التجاني (رضي الله عنه) قبل وفاته بأن يعهد أمر ولديه الكريمين سيدي محمد الكبير و سيدي محمد الحبيب رضي الله عنهما إلى الخليفة سيدي الحاج علي التماسيني (رضي الله عنه) ،مع تكليفه بهمة إرجاعهما إلى عين ماضي، حيث قال سيدنا أحمد التجاني رضي الله عنه في حقهما: « أولادي لا تليق بهم إلا الصحراء ، يصلحون فيها و يعيشون. »

فقدم سيدنا الحاج علي (رضي الله عنه) لفاس فأخذهم و ارتحل بهم، بعد أن وقع بينه و بين أصحاب سيدنا رضي الله عنهم القاطنين بفاس كلام في عدم تركهم للسفر معه، حتى أدى الحال بهم إلى رفع أمرهم إلى أمير الوقت مولانا سليمان (رضي الله عنه)، فقال فقراء فاس إن أولاد الشيخ (رضي الله عنه) ازدادوا بفاس وهي مقرهم فلا يخرجون منها، و قال سيدنا الحاج علي (رضي الله عنه) إن أصلهم من عين ماضي و مددهم ليس بهذه البلد بل هو في الصحراء، إشارة لقول سيدنا رضي الله عنه.

 فحكم الحاكم لسيدي الحاج علي (رضي الله عنه) بالسفر بهم على شرط رضاء أولاد الشيخ رضي الله عنه بذلك. ثم وقع الصلح بين سيدنا الحاج علي (رضي الله عنه) و بين الفقراء، فسافر سيدنا الحاج علي (رضي الله عنه) بأولاد سيدنا (رضي الله عنه)، بعد أن تركوا كل عين باكية لفراقهم، و قلوب الفقراء مضرمة نيرانها بأشواقهم، و الناس متعجبون في سفر أولاد الشيخ (رضي الله عنه) بعدما كانوا يعتقدون استحالة وقوعه.

و في الواحد و العشرين من صفر الخير عام 1231 هجري أخرج رضي الله عنه من قبره على حالته كأنه نائم بسبب أن أولاده أرادوا النقلة من بلادهم الى صحراء الجريد  و أرادو نقل جثته المباركة معهم، فجعلوه في صندوق ليلا و حولوه الى دار سكناهم حتى يتهيئوا للسفر وجاراهم على ذلك بعض أهل الصحراء و لم يعلم بذلك أهل فاس إلى غد او بعد غد، فقاموا على ساق الجد و ردوه رضي الله عنه إلى قبره لمحله الأول في حالته كأنما توفي الآن و بنى أهل فاس على قبره بناء وثيقا أغمقوا في جوانبه.

وذكر أن الشيخ (رضي الله عنه) وقف ليلة أخرج من قبره على نيف و خمسين من أصحابه في المنام و قال لكل واحد منهم : إني مسافر، فلما اجتمعوا بالزاوية و قص كل واحد منهم رؤياه فهموا منها أن الشيخ رضي الله عنه وقع النبش عليه، فبحثوا عن ذلك فوجدوه بصندوق خاص عند أولاد سيدنا (رضي الله عنه)، و ذلك بتاريخ 21 صفر 1230. فأخذوه منهم و ردوه الى قبره، و قد غشيهم من الطيب من القبر ما يعجز عنه الوصف حتى كاد أن يغشى على الحاضرين من عبق شذاه، ووجد عند قدمي الشيخ (رضي الله عنه) ربيع أخضر يانعا عليه رونق و بهاء.

 

يوجد أيضا في مدينة فاس قبور عديد من أولاد سيدنا أحمد التجاني (رضي الله عنه) الذين توفوا في سن صغيرة، من بينهم سيدي خليفة والسيدة فاطمة وسيدي محمد الصغير،كما يدفن بها أيضا عدد كبير من أصحاب سيدنا (رضي الله عنه) و من أركان هذه الطريقة و علمائها الأجلاء، بمختلف مقابر المدينة القديمة (باب فتوح، باب عجيسة...)

 

فيما يلي صور لزاوية سيدنا أحمد التجاني(رضي الله عنه) المباركة، من الداخل. فاس- المغرب