الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ علم الغيب
علم الغيب - PDF

علم الغيب


علم الغيب

بسم الله الرحمان الرحيم

مقدمة لابد منها :

1 ــ علم الغيب علم مخصوص بالله سبحانه وتعالى والنصوص الدالة على ذلك كثيرة منها قوله جل شأنه في كتابه العزيز :

{قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}سورة النمل الاية 65 وقوله سبحانه :{ فقل إنما الغيب لله }سورة يونس الآية 20  وقوله أيضا {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } سورة الانعام الاية 59 وقوله : {ولله غيب السماوات والأرض } سورة النحل الاية 77 وقوله :{فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}سورة سبأ الاية14 وقوله: { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } سورة الطور الاية 41 إلى غيرها من النصوص الدالة على انفراد  الله سبحانه وتعالى بعلم الغيب وإختصاصه به .

2 ــ لله سبحانه وتعالى أن يُطلع من يشاء من خلقه على بعض غيبه والنصوص الدالة على ذلك أيضا كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى :

{عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } سورة الجن الاية 28 وقوله سبحانه : {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك.}سورة هود الاية 41 وقوله جل شأنه :{ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } سورة آل عمران الاية 44 وقوله سبحانه : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } سورة آل عمران الاية 179 .وقوله جل شأنه:{ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} سورة البقرة الاية 254 .

3 ــ بعض المقتبسات من التفسير لما دلت عليه هذه الآيات البينات من المعاني:

قال ابن كثير في تفسيره من سورة النمل : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلما لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله وقوله تعالى : { إلا الله } استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له.

ويقول ابن كثيرأيضا في تفسيره من سورة النحل الاية 77 :{ولله غيب السماوات والأرض } يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السموات والأرض واختصاصه بعلم الغيب فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء.

ويقول ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى:{ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير }الآية 188من سورة الأعراف :أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه كما قال تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. }

ويقول ابن كثير في تفسيره من سورة الانعام الاية 50 :يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } أي لست أملكها ولا أتصرف فيها { ولا أعلم الغيب } أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله عز وجل ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه. 

وقال الطبري في تفسيره من سورة الجن الآية 26 :وقوله : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } يعني بعالم الغيب : عالم ما غاب عن أبصار خلقه فلم يروه فلا يظهر على غيبه أحدا فيعلمه أو يريه إياه إلا من ارتضى من رسول فإنه يظهره على ما شاء من ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التاويل.

وقال ابن كثير في تفسيره وقوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول } هذه كقوله تعالى : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } وهكذا قال ههنا إنه يعلم الغيب والشهادة وأنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه.

وقال ابن كثير في تفسيره من سورة آل عمران الآية 179{ وما كان الله ليطلعكم على الغيب } أي أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك ثم قال تعالى : { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } كقوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا  إلا من ارتضى من رسول.

ويقـــول ابن كثير في تفسيره  من سورة هود الاية49 :{تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قوم.} يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه القصة وأشباهها : من أنباء الغيب يعني من أخبارالغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها نوحيها إليك أي نعلمك بها وحيا منا إليك.

وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري:وأما ما ثبت بنص القرآن أن عيسى عليه السلام قال أنه يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون وأن يوسف قال إنه ينبئهم بتأويل الطعام قبل أن يأتي إلى غير ذلك مما ظهر من المعجزات والكرامات فكل ذلك يمكن أن يستفاد من الاستثناء في قوله :{إلا من ارتضى من رسول } فإنه يقتضي اطلاع الرسول على بعض الغيب والولي التابع للرسول عن الرسول يأخذ وبه يكرم والفرق بينهما أن الرسول يطلع على ذلك بأنواع الوحي كلها والولي لا يطلع على ذلك إلا بمنام أو الهام.

وفي رسالة التوحيد للدهلوي: أن النبي أو الولي لا يعرفان من حالهما ومن أحوال غيرهما الغيبية إلا ما أطلعهما الله عليه من طريق الوحي أو الإلهام وأخبرهما بأن الأمر الفلاني سيؤول إلى نجاح وأن الأمر الفلاني سيؤول إلى إخفاق وهذا شيء مجمل ليس بيدهما أن يطلعوا على أكثر من ذلك أو يعرفوه مفصلا.إهـ

وقال ابن كثير في تفسيره من سورة البقرة الاية 254 قوله : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه.

وعلى ضوء هذه النصوص نتحقق من أن علم الغيب خاص بالله سبحانه وتعالى وأنه جل شأنه وعز كبرياؤه إن شاء أن يُطلع أحدا من خلقه على بعض غيبه فعل . 

وإذا عُلم هذا إليك أخي الكريم نصوصا من الكتاب والسنة تشهد على أن الله سبحانه وتعالى أطلع بعضا ممن ارتضاهم  من عباده على بعض غيبه:

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما } سورة الكهف الاية 65 قال القرطبي في تفسيره :  {وعلمناه من لدنا علما } أي علم الغيب. وقوله تعالى في سورة يوسف حاكيا قول يعقوب عليه السلام :{ قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} وقوله سبحانه وتعالى على لسان يوسف عليه الصلاة والسلام  :{ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي} سورة يوسف الاية 37. وقوله تعالى في سورة آل عمران الاية 48على لسان سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام : {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين }. وفي شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد باب فضل الله تعالى و رحمته :ونبينا صلى الله عليه وسلم قد أخبر بكثير من علم الغيب.إهـ

روى الشيخان البخاري ومسلم  في صحيحيهما عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال:أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أمورا عظاما ثم قال ( من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا ) . قال أنس فأكثر الناس البكاء وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ( سلوني ) . فقال أنس فقام إليه رجل فقال أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال ( النار ) . فقام عبد الله بن حذافة فقال من أبي يا رسول الله ؟ قال ( أبوك حذافة ) . قال ثم أكثر أن يقول ( سلوني سلوني ) . فبرك عمر على ركبتيه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا . قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر. وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه قال:لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله إن كنت لأرى الشيء قد نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه.وفي رواية عمر رضي الله عنه يقول قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه. 

وفي رواية لمسلم في صحيحه عن حذيفة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه .

روى الترمذي في سننه وقال هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هذا حديث حسن صحيح :عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجوز في صلاته فلما سلم دعا بصوته قال لنا على مصافكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك رب قال فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت لا أدري قالها ثلاثا قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت.إهـ ونظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم فتجلى لي كل شيء وعرفت . 

وروى الشيخان البخاري ومسلم  في صحيحيهما عن عقبة بن عامر :أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال : إني فرطكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني قد أعطيت خزائن مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا ولكن أخاف أن تنافسوا فيها. قال الامام النووي في شرحه لصحيح مسلم : وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه سلم فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك وأنها لا ترتد جملة وقد عصمها الله تعالى من ذلك وأنها تتنافس في الدنيا وقد وقع كل ذلك. إهـ

وقال القاضي عياض في كتابه الشفا :فصل في اجتماع الخصال المحمودة فيه صلى الله عليه و سلم: ....من فضيلة النبوة و الرسالة و الخلة و المحبة و الإصطفاء و الإسراء و الرؤية و القرب و الدنو و الوحي و الشفاعة و الوسيلة و الفضيلة و الدرجة الرفيعة و المقام المحمود و البراق و المعراج و البعث إلى الأحمر و الأسود و الصلاة بالأنبياء و الشهادة بين الأنبياء و الأمم و سيادة ولد آدم.....إلى أن قال و الإطلاع على الغيب و ظل الغمام و تسبيح الحصا...إهـ  وقال أيضا في محل منه : و من ذلك ما أطلع عليه من الغيوب و ما يكون و الأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره و لا ينزف غمره و هذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها و اتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب :  حدثنا الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الفهري إجازة و قرأته على غيره : قال أبو بكر : حدثنا أبو علي التستري حدثنا أبو عمر الهاشمي حدثنا اللؤلؤي حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه و نسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء و إنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه .ثم قال حذيفة : ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه و الله ما ترك رسول الله صلى الله عليه و سلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه و اسم أبيه و قبيلته. و قال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما .إهـ

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير. وفي تعليق شعيب الأرنؤوط  إسناده صحيح على شرط الشيخين.وقال صاحب مجمع الزوائد  رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.أما الألباني فقال في السلسلة الضعيفة شاذ. وما ذلك إلا ليبرهن لكافة المسلمين عن مروقه و شذوذه العلمي وأنه غير مأمون للحكم على حديث مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نمودج من بين العديد من احكامه المنافية للصناعة الحديثية والتي خالف فيها أكابر الحفاظ وعلماء الجرح والتعديل نسأل من الله السلامة والعافية في ديننا ودنيانا آمين. 

وفي دلائل النبوة للأصبهاني : ذكر ابن قتيبة في أعلام النبي صلى الله عليه وسلم قال أعلام نبوته أن ناقة له ضلت فأقبل يسأل الناس عنها فقال المنافقون هذا محمد يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فحمد الله وأثنى عليه وحكى قولهم ثم قال وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي وقد أخبرني أنها في وادي كذا متعلق زمامها بشجرة فبادر الناس فوجدوها كذلك. قال ومن ذلك قوله لخالد حين بعثه إلى أكيدر بدومة الجندل أما إنكم ستأتونه فتجدونه يصيد البقر فوجدوه كذلك.قال ومن ذلك قوله للعباس عمه رضي الله عنه حين أسره أفد نفسك وابني أخيك يعني عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فإنك ذو مال فقال لا مال عندي قال فأين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل وليس معكما أحد فقلت إن أصبت في سفري فللفضل كذا ولعبد الله كذا ولفلان كذا فقال العباس والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وإنك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم هو وعقيل.إهـ

وروى الامام الحاكم في صحيحه وقال : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول : دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم و إن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل : يا رسول الله تخلف أبو ذر و أبطأ به بعيره فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم و إن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه فتلوم أبو ذر رضي الله عنه على بعيره فأبطأ عليه فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره فخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم ماشيا و نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض منازله و نظر ناظر من المسلمين فقال : يا رسول الله هذا رجل يمشي على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كن أبا ذر فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله هو و الله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : رحم الله أبا ذر يمشي وحده و يموت وحده و يبعث وحده فضرب الدهر من ضربته و سير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته و غلامه إذا مت فاغسلاني و كفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقالوا : ما هذا فقيل : جنازة أبي ذر فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم يرحم الله أبا ذر يمشي وحده و يموت وحده و يبعث وحده ...الحديث

 وفي تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل : ثم راح {صلى الله عليه وسلم } بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعا فهاجت ريح شديدة  آذتهم وتخوفوها وضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة قيل : من هو ؟ قال : رفاعة بن زيد بن التابوت فقال رجل من المنافقين : كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي ! فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال : ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي كما قال فجاؤوا بها وآمن ذلك المنافق.إهـ وذكرهذا الاثر ابن شبة النميري في  تاريخ المدينة مفصلا .

وفي المستدرك على الصحيحين للامام الحاكم : عن حذيفة رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثا إلى دومة الجندل فقال : انطلقوا فإنكم تجدون أكيدر دومة خارجا يقتنص الصيد فخذوه أخذا فانطلقوا فوجدوه كما قال لهم فأخذوه.وقال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ووافقه الذهبي في التلخيص.إهـ

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن ا بن عباس قال : كان الذي أسر العباس بن عبد المطلب أبا اليسر بن عمرو وهو كعب بن عمرو أحد بني سلمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أسرته يا أبا اليسر قال لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل هيئته كذا هيئته كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أعانك عليه ملك كريم وقال للعباس يا عباس افد نفسك وبن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث وحليفك عتبة بن جحدم أحد بني الحرث بن فهر قال فأبى وقال اني قد كنت مسلما قبل ذلك وإنما استكرهوني قال الله أعلم بشأنك ان يك ما تدعي حقا فالله يجزيك بذلك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك وكان رسول الله قد أخذ منه عشرين أوقية ذهب فقال يا رسول الله احسبها لي من فداي قال لا ذاك شيء أعطاناه الله منك قال فإنه ليس لي مال قال فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل وليس معكما أحد غيركما فقلت ان أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولقثم كذا ولعبد الله كذا قال فوالذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها وأني لأعلم انك رسول الله.إهـ قال صاحب مجمع الزوائد رواه أحمد وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات.إهـ

وإذا قيل ما القول فيما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي .ومثل هذه النقول أقول إسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون  نقل الملا علي قاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح إثر هذا الحديث قول التوربشتي :لا يجوز حمل هذا الحديث وما ورد في معناه على أن النبي كان مترددا في عاقبة أمره غير متيقن بما له عند الله من الحسنى لما ورد عنه من الأحاديث الصحاح التي ينقطع العذر دونها بخلاف ذلك وأنى يحمل على ذلك وهو المخبر عن الله تعالى أنه يبلغه المقام المحمود وأنه أكرم الخلائق على الله تعالى وأنه أول شافع وأول مشفع إلى غير ذلك رواه البخاري إهـ وقال ابن حجر العسقلاني في الفتح عند شرحه لهذا الحديث : وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال أنا أول من يدخل الجنة وغير ذلك من الأخبار الصريحة في معناه فيحتمل أن يحمل الإثبات في ذلك على العلم المجمل والنفي على الإحاطة من حيث التفصيل إهـ 

وروى الطبراني في الكبير والأوسط  عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله }قال الهيثمي في مجمع الزوائد إسناده حسن. وروى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله } قال الشوكاني في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة :  حديث اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله رواه ابن عرفة عن أبي سعيد مرفوعا في إسناده محمد بن كثير الكوفي وهو ضعيف جدا وقد ذكره ابن القيم في موضوعاته من حديث ابن عمر بإسناد فيه متروكان ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة قال في اللآلىء قلت الحديث حسن صحيح أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن جرير في تفسيره وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري في تاريخه والترمذي من غير طريق محمد بن كثير المذكور وأما حديث أبي أمامة فإن إسناده على شرط الحسن هذا معنى كلام صاحب اللآلىء وعندي أن الحديث حسن لغيره وأما صحيح فلا ومن شواهده ما أخرجه ابن جرير في تفسيره من حديث ثوبان بنحوه وما أخرجه ابن جرير أيضا والبزار وابن السني وأبو نعيم في الطب من حديث أنس بنحوه.إهـ 

وفي مجمع الزوائد للهيثمي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم .وقال رواه البزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن.

وفي مستدرك الحاكم :قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن لكل قوم فراسة و إنما يعرفها الأشراف.وقال صحيح الإسناد و إن كان مرسلا و فيه منقبة شريفة لسلمة بن سلامة وعلق عليه الذهبي في التلخيص بقوله: صحيح مرسل . قال المناوي في تحفة الاحوذي بشرح الجامع الترمذي للمباركفوري اتقوا فراسة المؤمن أي اطلاعه على ما في الضمائر بسواطع أنوار أشرقت على قلبه فتجلت له بها الحقائق (فإنه ينظر بنور الله ) أي يبصر بعين قلبه المشرق بنور الله تعالى وأصل الفراسة أن بصر الروح متصل ببصر العقل في عيني الإنسان فالعين جارحة والبصر من الروح وإدراك الأشياء من بينهما فإذا تفرغ العقل والروح من أشغال النفس أبصر الروح وأدرك العقل ما أبصر الروح ، وإنما عجز العامة عن هذا لشغل أرواحهم بالنفوس واشتباك الشهوات بها فشُغل بصر الروح عن درك الأشياء الباطنة ومن أكب على شهواته وتشاغل عن العبودية حتى خلط على نفسه الأمور وتراكمت عليه الظلمات كيف يبصر شيئا غاب عنه. إهـ

وفي وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لقاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان : وسئل الجنيد عن العارف فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت.إهـ

قال ابن خلدون في مقدمته ص329 :ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والإطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراكُ شيء منها ....إلى أن قال وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت الرسالة القشيرية على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم.

ونقل الألوسي في تفسيره روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: وسئل الجنيد رضي الله تعالى عنه عن الفراسة فقال : آيات ربانية تظهر في أسرار العارفين فتنطق ألسنتهم بذلك فتصادف الحق.وقال أيضا في محل منه : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين المنكرين فإن قلوبهم عمى عن رؤية أنوار أهل الله تعالى فإن لهم أنوارا لا ترى إلا بعين القلب وبهذه العين تدرك حقائق الملك ودقائق الملكوت وفي الحديث اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.وقال الألوسي أيضا في تفسيره وقيل : كل من رزق قرب النوافل ينظر به تعالى لحديث لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث وحينئذ يبصر كل شيء .

وفي المحاضرات للعلامة الحسن اليوسي :الكشف والمكاشفة عند الصوفية:وقد رأيت أن أثبت في هذا المعنى كلاماً تتميماً للفائدة كما هو سبيل هذا الكتاب كله، وأنا أبرأ إلى السامع من نفسي، فلا يتوهم أني من أهل هذا المضمار وأني خبرت عن وجدان، وتكلمت عن ذوق، وبينت عن مشاهدة، كلا، وإنما أقرر شيئاً أتعقله فهماً، أو شيئاً وجدته في كتبهم مشروحاً، ولا أدعي أنه ليس في حكمة الله البالغة، وموهبته السابغة، أزيد من ذلك، بل أذكر ما انتهى إليه فهمي فأقول: إن الغيب المدعى الاطلاع عليه، وهو ما لا يعلمه عامة الناس قسمان: قسم متقرر في نفسه، وللعقول وصول إليه، وقد يدركه بعض العقول دون بعض، وذلك كصفات الله تعالى وأسمائه، وحكمته في أرضه وسمائه، وأحكام المعاد وغير ذلك، وكذا كل علم مستنبط في الأصول والفروع وغير ذلك، فهذا اطلاع صحيح، ولكن لا يسمى في الاصطلاح كشفاً، نعم هو الكشف الصحيح النافع ....وقسم مرجعه الموهبة، و " لكن " لا مجال فيه للعقول، ويكون إما بلا تقدم سبب يناسبه كحال مجذوب وهي الرؤيا المستغنية عن التعبير، وإما بمشاهدة مثاله، وهي الرؤيا التي تعبر، وإما بسماع خطاب أو آية أو قراءتها ونحو ذلك، ولا حاجة إلى بيان حقيقة الرؤيا لأن ذلك مستوفى في علم التعبير.وأما الغيبة فأن يشاهد فيها شيء أيضاً أو أمثاله أو يسمع الخطاب أو نحو ذلك، وكون المشاهدة حينئذ بالعين الباصرة أو بعين القلب أمر محتمل، ولا حاجة إلى التعرض لتحقيقه فإنه لا يتعلّق به غرض.وأما اليقظة فبأن يرى الشيء بعينه إن كان مما يرى أو أمثاله، أو يراه بقلبه إما بأن يتجلى له كرؤية البصر أو يخطر فيه أنه كذا، أو يحدث به، وقد يرى الشيء مكتوباً في اللوح المحفوظ أو في الصحف المستنسخة يقظة أو غيبة أو مناماً أو مكتوباً على صفحة جدار أو على جبين السائل أو غير ذلك، وقد يفهم ذلك من صوت يسمعه أو فعل أو حال يراه لغيره أو لنفسه أو نحو ذلك، فهذا النوع كله هو الذي يراد بالكشف والمكاشفة في عرف الناس، ....ولما كان أمراً معشوقاً للإنسان وذلك من وجهين: أحدهما من حيث كونه علماً، والعلم هو غذاء الروح، وكلما كان أغرب، كان أشهى وأعجب..... حتى إن العامة مُطبِقون على جعل ذلك آية لثبوت ولاية الولي من غير تعريج على المستقيم منه والسقيم، وكذا صاحبه في نفسه، فنشأ من ذلك كله لعوام المتوجهين شغف به وحرص عليه لأول قدَمٍ، فكثرت فيه الدعوى، وعمت به البلوى، والتبست السبل بالمنهاج، وغطى على شمس الخصوصية دخان الاستدراج....إهـ

وإليك أخي الكريم نماذج تقر بها عينك مما خص الله به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومما أجرى على أيديهم من هذه الكرامة ومن بعدهم أهل الله المقتدين بهديهم المقتافين آثارهم من الصالحين والعلماء العاملين ولتعلم صدق المجيزين النظر بنور الله أو الكشف أو الفراسة أو الإطلاع على بعض الغيب بإذن الله وهي أسماء كلها لمعنى واحد من جهة وتعلم فساد عقول المنكرين حصول هذه الكرامة لغيرهم من الصالحين من جهة أخرى، مبتدءا بأول الخلفاء الراشدين الذين أوصانا مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباعهم فقال فيما يرويه الأئمة ابي داوود والترمذي وابن ماجة : {فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد} هذا الاتباع الذي من مظاهره اعتقاد معتقداتهم والقول بأقوالهم والسير على نهجهم وتقليدهم : 

1 ــ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه :أخرج ابن سعد في الطبقات ذكر وصية أبي بكر ج3ص195 عن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر لما حضرته الوفاة دعاها فقال إنه ليس في أهلي بعدي أحَدٌ أحب إلي غنى منك ولا أعزعلي فقرا منك وإني كنت نحلتك [النحلة :العطية من غير عوض ولا استحقاق] من أرض بالعالية جَدادَ[الجداد :صرام النخل وهو قطع ثمرتها] يعني صرام عشرين وسقا [الوسق ستون صاعا أوحمل بعير] فلو كنت جددْتِهِ تمرا عاما واحدا انحاز لك وإنما هو مال الوارث وإنما هما أخواكِ وأختاك فقلت إنما هي أسماء فقال :وذاتُ بطن خارجة قد ألقي في روعي أنها جارية فاستوصي بها خيرا فولدت أم كلثوم . قال التاج السبكي في حجة الله على العالمين للنبهاني : وفيه كرامتان لأبي بكر رضي الله عنه إحداهما إخباره  أنه يموت في ذلك المرض حيث قال وإنما هو مال وارث والثانية إخباره بمولود يولد له وهو جارية .

2ـ عمر إبن الخطاب رضي الله عنه:جاء في كتاب معيد النعم ومبيد النقم لتاج الدين السبكي قال: كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قد أمر سارية ابن زنيم على جيش من جيوش المسلمين وجهزه إلى بلاد فارس فاشتد الحال على عسكره بباب نَهَاوَنْدَ وكاد المسلمون ينهزمون وعمر رضي الله عنه بالمدينة فصعد المنبر ثم استغاث في اثناء خطبته بأعلى صوته: ياسارية الجبل ياسارية الجبل .فأسمع الله سارية وجيشه أجمعين وهم على باب نهاوند صوت عمر فلجؤوا إلى الجبل فنجوا وانتصروا.إهـ (قال العجلوني في كشف الخفاء  وإسناده كما قال الحافظ ابن حجر في الاصابة حسن) وذكره البيهقي في الدلائل واللالكائي في شرح السنة وابن الاعرابي في كرامات الاولياء وألف القطب الحلبي في صحته جزءا. وفي تأويل مختلف الحديث لإبن قتيبة:وقال لسارية بن زنيم الدؤلي يا سارية الجبل الجبل. وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعدما أورد قصة سارية هذه :وهذا إسناد جيد حسن. وفي كتاب الموافقات في أصول الفقه للشاطبي :عمل الصحابة رضى الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحي النومي كقول أبي بكر إنما هما أخواك وأختاك وقول عمر يا سارية الجبل.

3 ـ عثمان ابن عفان رضي الله عنه:ذكر التاج السبكي في الطبقات والقرطبي في تفسيره  وغيره: أنه دخل على عثمان ابن عفان  رضي الله عنه رجل كان قد لقي امرأة في الطريق فتأملها فقال له عثمان رضي الله عنه يدخل أحدكم وفي عينيه أثر الزنا فقال الرجل أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ولكنها فراسة المؤمن. وانظر أيضا حجة الله على العالمين للنبهاني.قال السبكي اعلم أن المرء إذا صفا قلبه صار ينظر بنور الله فلا يقع بصره على كدر أو صاف إلا عرفه ثم تختلف المقامات فمنهم من يعرف أن هناك كدرًا ولايدري ماأصله ومنهم من يكون أعلى من هذا المقام فيدري ما أصله كما اتفق لعثمان بن عفان رضي الله عنه فإن تأمل الرجل للمرأة أورثه كدرا فأبصره عثمان وفهم سببه. كما أن الله سبحانه وتعالى أطلع سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عن يوم استشهاده ففي كتاب إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري: أن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أعتق عشرين مملوكًا، ثم دعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، ثم قال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -البارحة في المنام ورأيت أبابكر وعمر- رضي الله عنهما- وإنهم قالوا: اصبر؛ فإنك تفطر عندنا القابلة. ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه.وقال رواه أبويعلى الموصلي، ورواته ثقات.وذكره الامام أحمد ابن حنبل في فضائل الصحابة وفي مسنده .

4ــ علي ابن ابي طالب رضي الله عنه : ذكر الامام الطبري في كتابه الرياض النضرة في مناقب العشرة: عن الأصبغ قال : أتينا مع علي فمررنا بموضع قبر الحسين فقال علي ههنا مناخ ركابهم وههنا موضع رحالهم وههنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض.

5ـ أبو الدرداء رضي الله عنه: 

وقال اللالكائي في كتابه كرامات أولياء الله عز وجل ص145 عن أبي قتيلة أنه كان يقول اتقوا فراسة العلماء فإنه حق يجعله الله تعالى على أبصارهم وفي قلوبهم وذكر أبو الدرداء يوما الفتنة فقال رجل من السكون فأين أسيافنا قال أبو الدرداء إني أخاف إن حضرتها أن تعور عينك وتكسر سنك فحضر السكوني يوم صفين فتعورت عينه وكسرت سنه فقال يغفر الله لأبي الدرداء واحدة كانت تكفيني.إهـ

وإليك أخي الكريم نماذج من وقائع أجراها الله سبحانه وتعالى على أيدي  بعض صالحي هذه الأمة المحمدية تتميما للفائدة :

ذكر العلامة أحمد سكيرج في كتابه كشف الحجاب عند ترجمة سيدي محمد بن حرز الله أن سيدي أحمد العبدلاوي حدثه أن إبن صاحب الترجمة حدثه أن أباه شد الرحلة إلى زيارة سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه وأتاه ليسأله عن ثلاثة أشياء: عن الحجامة بالليل وأخذ السبحة باليد اليسرى وعن سلطان الحق .فاتفق أن قدم لدار الشيخ التجاني ليلا فاستأذن الدخول عليه فأذن له فبينما هو داخل قبل اجتماعه بسيدنا رضي الله عنه إذ سمعه يقول ائتوني بالحجام ليحجم لي فقال صاحب الترجمة هذا جواب المسألة الأولى من مسائلي فلما دخل للموضع الذي فيه سيدنا رضي الله عنه وجده آخذا سبحته بيده اليسرى وهو يذكر بها فقال في نفسه هذا جواب المسألة الثانية ثم لما استقر به المجلس بعد إعطاء مرتبة سيدنا رضي الله عنه حقها صار سيدنا رضي الله عنه يتكلم عن الإمام المهدي  فأخذ الجواب عن مسائله الثلاث من غير سؤال سيدنا رضي الله عنه. 

وذكر أيضا عند ترجمة القطب سيدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه: أن سيدي أحمد العبدلاوي رضي الله عنه حدثه أنه كان في يوم من الأيام مع سيدي علي التماسيني فأراد أن يطلب منه التقديم لتلقين الورد الشريف ونوى ذلك في خاطره قال فبمجرد ما خطر ببالي هذا الخاطر التفت إلي وقال لي رضي الله عنه أنت مأذون في إعطاء الطريقة لكل من طلبها ، وهكذا كان يكاشف كل من يأتيه .قلت (أي سكيرج) لما حدثني مولاي أحمد العبدلاوي رضي الله عنه بهذه المنقبة الشريفة قلت في نفسي ما أحسن هذا الاذن على هذه الصورة وياترى إذا سألت منه ذلك يمنحني به أو لا ثم عزمت على عدم سؤالي له لأن الشيء إذا جاء بغير سؤال كان على أحسن حال فبمجرد ما خطر ذلك ببالي التفت إلي رضي الله عنه كما التفت إليه صاحب الترجمة وقال لي أنت مأذون وذلك منه مكاشفة كما هي عادته معي في غير ما مرة. إهـ

وفي المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي للحافظ السخاوي قال: ومن مكاشفاته ما حكى الزين عمر بن الوردي في ترجمة الشمس ابن النقيب من تاريخه، أنه قال: دخلت وأنا صبي على النووي رحمه الله " يعني في أيام اشتغاله عليه " ، فقال لي: أهلاً بقاضي القضاة، قال: فنظرت فلم أجد عنده أحد غيري، فقال لي: اجلس يا مدرّس الشامية.وهذا من جملة كشف الشيخ رحمه الله فإنه وليهما معاً، وكانت حكاية ابن النقيب لذلك وهو بحلب، قبل ولايته الشامية وكان يظن أنه يلي قضاء الشام، فما ولي إلا حمص، ثم طرابلس، ثم حلب، ثم رجع إلى دمشق فولي الشامية.إهـ

وجاء في بستان العارفين للامام النووي عن حمزة بن عبد الله العلوي يقول دخلت على أبي الخير التيناتي رحمه الله وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاما فلما خرجت من عنده ومشيت قدرا وإذا به أتى خلفي وقد حمل طبقا عليه طعام وقال يا فتى كل هذا فقد خرجت الساعة من اعتقادك.إهـ 

وذكر إبن خلكان في وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: قال الجنيد: قال لي خالي سري السقطي: تكلم على الناس وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس فإني كنت أتهم نفسي في استحقاقي ذلك فرأيت ليلة في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ليلة جمعة فقال لي: تكلم على الناس فانتبهت وأتيت باب السري قبل أن أصبح فدققت الباب فقال لي: لم تصدقنا حتى قيل لك فقعدت في غد للناس بالجامع وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس فوقف علي غلام نصراني متنكراً وقال: أيها الشيخ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله فأطرقت ثم رفعت رأسي وقلت: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام.إهـ

وإليك ما تزيد به اطمئنانا ويصير شكك إن شاء الله  يقينا وعلى لسان علماء هم السبب في ظهور هؤلاء المنكرين المولعين بالتبديع والتكفير والتفسيق للأمة نعوذ بالله من سيمة الخوارج  وهم السبب في هتك أستار الأدب وجرأة أتباعهم ومن يدعي الإنتماء إليهم على الصلحاء والعلماء فلم ينجوا منهم ومن ألسنتهم أحد حتى فشا ذلك بينهم وتمرد التلميذ على أستاذه والمبتديء على شيخه وظهر فيهم نفي هذه الكرامة لقساوة قلوبهم ولما رأوه في أنفسهم من عدم وجد شيء منها  ولا أستشهد بكلامهم على أنهم المرجع ولكن لتنبيه أتباعهم أو من يميل إليهم للإستيقاظ والرجوع إلى ركب السواد الأعظم من الامة الأشاعرة و أصحاب المذاهب الأربعة وأهل الحق العارفون بالله السادة الصوفية وإن كان كلامهم في هذا المجال مما جادت به كتب الصوفية لايعدوه فأقول:

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى : ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات.

وقال إبن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية ص431 (هذا الشرح الذي تتبعه جملة من المعاصرين بالتعليقات والتحقيقات والتنقيحات كالالباني والعثيمين وابن باز والفوزان وهم من جملة المنكرين النظر بنور الله أو الإطلاع على بعض الغيب بإذن الله ):ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا أن الفراسة ثلاثة أنواع : إيمانية وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة ومنها اشتقاقها وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة قال أبو سليمان الداراني رحمه الله الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب وهي من مقامات الإيمان.إهـ

وقال إبن القيم في كتابه الروح ص267 : أما الفراسة فأثنى على أهلها ومدحهم في قوله تعالى(إن في ذلك لآيات للمتوسمين) قال إبن عباس رضي الله عنهما وغيره أي للمتفرسين وقال تعالى ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم) وقال تعالى ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وقرب من الله فهو ينظر بنور الله الذي جعله في قلبه، وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) وهذه الفراسة نشأت له من قربه من الله فإن القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه وكان تلقيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه وأضاء له النور بقدر قربه فرأى في ذلك النور مالم يره البعيد والمحجوب كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال:{ ماتقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي. } فأخبر سبحانه أن تقرب عبده منه يفيده محبته له فإذا أحبه قرب من سمعه وبصره ويده ورجله فسمع به وأبصر به وبطش به ومشى به فصار قلبه كالمرآة الصافية تبدو فيها صور الحقائق على ماهي عليه فإذا سمع بالله سمعه على ما هو عليه وليس هذا من علم الغيب بل علام الغيوب قذف الحق في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصول صور الحقائق فيه ،وإذا غلب على القلب النور فاض على الأركان وبادر من القلب إلى العين فكشف بعين بصره بحسب ذلك النور،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أصحابه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه ورأى بيت المقدس عيانا وهو بمكة ورأى قصور الشام وأبواب صنعاء ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق ورأى أمراءه بمؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو بالمدينة فخرج إلى المصلى فصلى عليه ، ورأى عمربن الخطاب  سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكرالمسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه ياسارية الجبلَ........ وقيل إن الشافعي ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام فدخل رجل فقال محمد أتفرس أنه نجار فقال الشافعي أتفرس أنه حداد فسألاه فقال كنت حدادا وأنا اليوم أنجر......وكان بين زكريا النخشي وبين امرأة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا على رأس أبي عثمان الخيري فتفكر في شأنها فرفع أبو عثمان إليه رأسه وقال ألاتستحي........وقال أبو سعيد الخراز دخلت المسجد الحرام فدخل فقير عليه خرقتان يسأل شيئاً فقلت في نفسي مثل هذا كَلٌ على الناس فنظر إليَ وقال {اعلموا أن الله يعلم مافي أنفسكم فاحذروه} قال فستغفرت في سري فناداني وقال {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده}......فهذا شأن الفراسة وهي نور يقذفه الله في القلب فيخطر له الشيء فيكون كما خطر له وينفذ إلى العين فيرى مالايراه غيرها.إهـ

وقال ابن تيمية في كتابه حجاب المرأة ولباسها في الصلاة تحقيق الألباني ص46 وأما الفائدة الثانية من غض البصر فهو يورث نور القلب والفراسة إلى أن قال وكان شاه بن شجاع الكرماني لاتخطيء له فراسة وكان يقول من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه هو أكل الحلال لم تخطيء له فراسة والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب إهـ

ولنعد إلى إبن القيم الجوزية في كتابه مدارج السالكين ج2 ص389 : والفراسة ثلاثة أنواع : إيمانية وهي المتكلم فيها في هذه المنزلة وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل والحالي والعاطل والصادق والكاذب .....وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدُ فراسة ً ، إلى أن قال وكان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة وبعده عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ووقائع فراسته مشهورة إلى أن قال وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه صادق الفراسة إلى أن قال وفراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة وأصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك ويستنير فلاتكاد فراسته تخطيءْ إلى أن قال ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة ومالم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفراً ضخماً . إلى أن قال ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال له قل إن شاء الله فيقول إن شاء الله تحقيقا لاتعليقا وسمعته يقول ذلك قال فلما أكثروا علي قلت لاتكثروا كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام قال وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو.إلى أن قال وقال مرة أي ابن تيمية يدخل علي أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لاأذكرها لهم ........ وقلت له يوما لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الإستقامة والصلاح فقال لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال شهرا.إهـ وفي الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار:الفصل التاسع  في ذكر بعض كراماته وفراسته : أخبرني غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته وأنا أذكر بعضها على سبيل الاختصار وأبدأ من ذلك ببعض ما شاهدته  فمنها اثنين جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل وطال كلامنا فيها وجعلنا نقطع الكلام في كل مسألة بأن نرجع الى الشيخ وما يرجحه من القول فيها  ثم أن الشيخ رضي الله عنه حضر فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سبقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة كما كنا فيه وجعل يذكر غالب ما أوردناه في كل مسأله ويذكر اقوال العلماء ثم يرجح منها ما يرجحه الدليل حتى أتى على آخر ما أردنا ان نسأله عنه وبين لنا ما قصدنا أن نستعلمه منه فبقيت أناوصاحبي ومن حضرنا أولا مبهوتين متعجبين مما كاشفنا به وأظهره الله عليه مما كان في خواطرنا .....إلى أن قال وحدثني من أثق به ان الشيخ رضي الله عنه أخبر عن بعض القضاة انه قد مضى متوجها الى مصر المحروسة ليقلد القضاء وأنه سمعه يقول حال ما اصل الى البلد قاضيا احكم بقتل فلان رجل معين من فضلاء اهل العلم والدين قد أجمع الناس على علمه وزهده وورعه ولكن حصل في قلب القاضي منه من الشحناء والعداوة ما صوب له الحكم بقتله فعظم ذلك على من سمعه خوفا من وقوع ما عزم عليه من القتل لمثل هذا الرجل الصالح وحذرا على القاضي ان يوقعه الهوى والشيطان في ذلك فيلقى الله متلبسا بدم حرام وفتك بمسلم معصوم الدم بيقين وكرهوا وقوع مثل ذلك لما فيه من عظيم المفاسد فأبلغ الشيخ رضي الله عنه هذا الخبر بصفته  فقال إن الله لا يمكنه مما قصد ولا يصل الى مصر حيا فبقى بين القاضي وبين مصر قدر يسير وأدركه الموت فمات قبل وصولها كما اجرى الله تعالى على لسان الشيخ رضي الله عنه .إهـ

وإذا ما نظرنا إلى كلام إبن تيمية هذا نجده عين ما يكفر به أتباعه الصوفية ويبدعونهم وهو شيخ الإسلام عندهم كأن لسان حالهم يقول حلال لإبن تيمية حرام وبدعة وكفرفي حق الصوفية . ففي مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين سئل عن حكم من يدعي علم الغيب ؟ فأجاب بقوله:الحكم فيمن يدعي علم الغيب أنه كافر.إهـ  ومما تفطنت إليه وتتبعته وأنا أطالع مجموعه هذا ووقفت عليه أنه ذكرإبن تيمية بلقب شيخ الإسلام أزيد من 478 مرة . ويقول أبو بكر الجزائري في كتابه الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف : مثال البدعة الإعتقادية : واعتقاد أن الأولياء يعلمون الغيب ينظرون في اللوح المحفوظ .إهـ  وفي فتاوى مهمة لعموم الأمة نقلا من مجموع فتاوى ابن بازقوله : واعتقاد أنه{صلى الله عليه وسلم } يعلم الغيب ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطها الكثير من الناس. إهـ   و في مجموع فتاوى عبد العزيز بن بازقال : من إدعى علم الغيب فهو كافر نسأل الله العافية.إهـ وفي فتاوى الشيخ ابن جبرين :ما حكم من ادعى الغيب؟ فأجاب:من ادعى علم الغيب فهو كاهن أو ساحر أو طاغوت، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله، لقوله تعالى: ((و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو))(الأنعام:59) و المراد بالغيب: علم ما يكون في الأزمنة القادمة، و علم الآجال و الأعمار، و نحو ذلك.إهـ وفي المنتقى من فتاوى الفوزان :فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو طاغوت لأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.إهـ

وقال ابن الجوزية أيضا في نفس الكتاب مدارج السالكين : ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويديه التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ، فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد فإنه محب محبوب متقرب إلى ربه وربه قريب منه قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه ولهجه بذكره وعكوف همته على مرضاته بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه فإن سمع سمع بحبيبه وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به وإن مشى مشى به فإن صعب عليك فهم هذا المعنى وكون المحب الكامل المحبة يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه وذاته غائبة عنه فاضرب عنه صفحا وخل هذا الشأن لأهله.إهــ

وذكر القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن عند قوله تعالى {إن في ذلك لآيات للمتوسمين}:روي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما : أراه نجارا وقال الآخر : بل حدادا فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال : كنت نجارا وأنا اليوم حداد وروي عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ القرآن فوقف فقال : من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به فقلنا له : كأنك عرضت بهذا الرجل فقال : إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ويخرج غدا حروريا فكان رأس الحرورية واسمه مرداس وروي عن الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال : هذا سيد فتيان البصرة إن لم يحدث فكان من أمره من القدر ما كان حتى هجره عامة إخوانه وقال لأيوب : هذا سيد فتيان أهل البصرة ولم يستثن وروى عن الشعبي أنه قال لداود الأزدي وهو يماريه : إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك وكان كذلك وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر فصعد فيه النظر وصوبه وقال : أيهم هذا ؟ قالوا : مالك بن الحارث فقال : ما له قاتله الله ! إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا فكان منه في الفتنة ما كان وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : أن أنس بن مالك دخل عليه وكان قد مر بالسوق فنظر إلى امرأة فلما نظر إليه قال عثمان : يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزني ! فقال له أنس : أوحيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لا ! ولكن برهان وفراسة وصدق ومثله كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.إهـ 

قال الألوسي في تفسيره : والذي صح عن الشافعي في أمر النجوم أنه كان يعرف ما كانت العرب تعرفه من علم المنازل والإهتداء بالنجوم في الطرقات وأما غير ذلك من الأحكام التي يزعمها المنجمون فلا وكان رضي الله تعالى عنه شديد الإنكار على المتكلمين مزريا بهم حكمه فيهم أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل فما تراه في المنجمين الذين شاع هذيانهم وقبح عند ذوي العقول السليمة شأنهم نعم كانت له رضي الله تعالى عنه اليد الطولى في علم الفراسة.إهـ 

فالنظر بنور الله والإطلاع على بعض غيبه بإذنه  أمر جائز الوقوع وهو عطية ربانية يكرم الله بها عباده الصالحين الذين تمسكو بدينهم وحفظو جوارحهم وهذبو نفوسهم. فلا تغتر أخي الكريم بمن يجعل نفسه ميزانا يقيس به غيره فإنها لاتقاس القلوب الصافية المصقولة بالقلوب القاسية المكدرة.


بعض تعاليم الطريقة التجانية