بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه

  هو علامة الزمان الذي لا نظير له في القران غواص بحار العلوم لاقتناء الطرائف وخائض لجج المعارف لادخار جواهر اللطائف أبو عبد الله سيدي محمد بن أحمد كنسوس القرشي الهاشمي الجعفري رضي الله عنه. هذا السيد من جملة المشهود لهم بالفتح في هذه الطريقة المحمدية المشتهر فضله بين الخاصة و العامة و الموصوف بالولاية التامة القائم في إرشاد العباد لطريق الرشاد على ساق الجد و الاجتهاد لا تأخذه في الله لومة لائم و كان رحمه الله آية من آيات الله الباهرة بما أولاه الله من المناقب الفاخرة و الكرامات الظاهرة و العلوم الزاخرة و الأسرار و المعارف و الفتوحات و اللطائف و الحقائق و الرقائق و الدقائق و الخوارق للعادة بين الخلائق قد جمع الله له بين الدين و الدنيا و أجلسه على منصة العز غي العليا.

و كان في عنفوان شبابه عند أمير المؤمنين مولانا سليمان قدس الله روحه في الجنان بمكانة لا حظا بعين الإجلال مكانه، و هو آخر وزرائه الأعيان و أجل مجالسيه الأعلام في السر و الإعلان، و قد كان أولا على الطريقة الناصرية، و سبب أخذه لهذه الطريقة التجانية ذات المواهب العرفانية ما ذكره في غير ما تقييد من تأليفه و رسائله، فمن ذلك قوله رضي الله عنه في جواب بعثه لبعض الفضلاء الجلة بعد صدر الكتاب و نصه:

قد بلغنا كتابكم الكريم فتبركنا به و هو حقيق أن يتبرك به: و علمنا ما أشرتم إليه فيه و ما حصل عندكم من الحيرة و التوقف فيما ذكرتم فيه فاعلموا أيدكم الله أن طرف المشايخ رضوان الله عليهم كلها أبواب مفتوحة إلى حضرة مولانا الكريم موصلة إلى رضوانه و رحمته و هي بمنزلة الطرق المحسوسة المؤدية إلى محل واحد و هي بعد ذلك مختلفة في القرب و البعد و السهولة و الصعوبة و الأمن و الخوف و غلبة السلامة و العطب، و لكل من المشايخ أصحاب مكتوبون في ديوانه لا يسعدون إلا على يديه و ربما طالت خدمة بعض المريدين لشيخ مدة مديدة و لا يفتح له على يده لأنه لم يكتب من قسمته، كما وقع للشيخ زروق في تلمذته أولا للشيخ سيدي عبد الله الزيتوني ثم تلمذ بعده للشيخ الحضرمي و على يده وقع له الفتح.

نعم، العاقل لا تقرع له العصا و لا تطرق له الحصى بل يختار كلما أمكنه الاختيار. يميز الغث من السمين و لا يدين الله تعالى بمجرد التقليد كشأن العامة الذين يعذرون بالجهل.

و قد كنا نحن أولا على الطريقة الناصرية و ذلك أنا وجدنا آباءنا على أمة فكنا على آثارهم، و ذلك أن لنا غاية الاتصال بذلك الجناب الطاهر العالي.

و سبب دخولي لهذه الطريقة المحمدية التجانية أنني لما كنت بفاس و سمعت مما اعد الله تبارك و تعالى من الفضل لأهل هذه الطريقة على لسان إمامهم رضي الله عنه مخبرا عن سيد الوجود صلى الله عليه و سلم و أنها طريقة الفضل المحض. لما علم الله عجز أهل الزمان عن الاستقامة التامة التي كان عليها السلف الصالح في الزمان الصالح أظهر بفضله و كرمه هذه الطريقة المحمدية التي هي طريقة الفضل في هذا الزمان الفاسد ليسعد الله بها من شاء من أهل السعادة فلما علمت ذلك و فهمته و تمكن مني غاية، وقعت في حيرة أشد من حيرتك لأجل ذلك الاتصال البليغ الذي تقدم ذكره فلما أرد الله تبارك و تعالى زوال حيرتي أهل لي بعض الصالحين المجاذيب و هو سيدي أحمد الغوان رضي الله عنه و له عناية عظيمة بي و ملازمة تامة و كان كلما لقياني يقول أنا أريد أن أردك إلى طريقة المعرفة و أنت تهرب منها و يقول ذلك بعنف و صوت عال ربما سبني و لو لقياني في اليوم مرارا لابد يقول لي ذلك، و في آخر الأمر صار يقول لي و الله إن لم تدخل طريقة المعرفة لأفعلن بك كذا و كذا يهددني و أنا مع ذلك صعب على مفارقة ما كنت عليه، و لما جاء الوقت لقياني بعض أهل العناية من أصحاب سيدنا أحمد التجاني رضي الله عنه و هو أيضا من أهل الولاية الشهيرة فأخذ بيدي و جعل يذكر لي من مناقب الشيخ و أحواله العالية و قال لي لابد لك من الدخول في هذه الطريقة المحمدية أحببت أم كرهت فمشى بي إلى زاوية الشيخ رضي الله عنه و كان يوم الجمعة فلما دخلنا على باب الزاوية و الناس يذكرون كان أول ما طرأ سمعي من المنشد قول القائل

أردناك أحببناك هذا عطاؤنا                 فامنن أو امسك أنت للحب منشأ

فلما أخذت الورد لقيني ذالك الولي المجذوب و جعل يضحك خارقا للعادة و يفرح فرحا شديدا و قال لي الآن وجبت عليك البشارة حيث رجعت من أصحاب السلطان انتهى. و أخبرتك بهذا لتعلم أن العاقل لا يتقيد بمجرد التقليد و يقول إنا وجدنا هذا مع آبائنا بل يختار كلما أمكنه الاختيار، و يميز الغث من السمين و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم انتهى.

و قال أيضا في رسالة أخرى مخاطبا فيها بعض علماء الطريقة حين سأله عن سنده فيها ما نصه

أعلم سيدي أننا أدركنا سيدنا و مولانا الشيخ رضي الله عنه و وجدناه بقيد الحياة لما رحلنا لطلب العلم الشريف بحضرة فاس و ذلك عام 1229 و زرناه و الحمد لله و دعا لنا بخير و سمعنا منه و رأينا وجهه السعيد مرارا و حضرنا جنازته و ظفرنا بالصلاة عليه و ذلك من أعظم فضل الله علينا و كانت وفاته رضي الله عنه سنة 1230 و لم نأخذ الطريقة إذ ذاك لأن الغرض حينئذ كان مصروفا لتحصل العلم الشريف لا غير ثم أخذناها بعد ذلك عام 1238 عن خاصة أصحابه المقدم الشريف البركة الصوام القوام سيدي مولانا محمد الغالي أبي طالب الفاسي المتوفي في حدود 1244 بأحد الحرمين الشريفين طلع بعياله بقصد المجاورة رحمه الله تعالى و رضي الله عنه ثم أخذناها أيضا بقصد التبرك عن ولي الله العارف الكامل المتصرف الواصل الشريف الأصيل أبي عبد الله سيدي و مولاي محمد بن أبي ناصر الفاسي دارا و منشأ الحسيني أصلا و قد أذن لي رضي الله عنه في جميع الأسماء و المسميات الخ ما أذن لي فيه ثم أخذناها أيضا بقصد التبرك عن البركة العارف بالله الذي ما ذاق طعم المنام منذ فارق الشيخ رضي الله عنه و هو سيدنا و مولانا الحاج عبد الوهاب بن الأحمر الفاسي أحد خاصة الشيخ رضي الله عنه فقد أذن لي الإذن العام المطلق التام في كل مفعول و مقول و كتب لي بخطه الشريف التقديم و أذن لي أن أقدم من طلب التقديم بلا حصر و أذن لي في جميع الأسرار التي خص بها من سيدنا رضي الله عنه لأنه كان خزانة سره و خزانة سر وسطته الأعظم الذي قال فيه الشيخ لا يصل منا شيء لأحد إلا على يدي سيدي حاج علي حرازم براده و كان سيدي الحاج عبد الوهاب ملازما و خادما له و طلع معه إلى المشرق حتى توفي في بدر و دفنه ثم رجع سيدي الحاج عبد الوهاب من المشرق و قد ظهرت عليه بركة صحبة سيدي حاج علي حرازم و بركة خدمته ثم لازم الشيخ رضي الله عنه حتى توفي راضيا عنه و الحمد لله فهذا سندنا وصله الله إلى حضرة رضاه و قبوله و عصمنا من الانحراف و التبديل عن سوء السبيل اه

و قال في كتابه الجواب المسكت بعد كلام ما نصه: و هذا مع أننا و الحمد لله قد لقينا شيخنا لقاء التبرك و رأيناه و زرناه و دعا لنا بالخير و سمعنا منه ما نفتخر به و نتشرف به في الدنيا و الأخيرة، و أما الأخذ عنه إذ ذاك فلم نكن بصدده لأن ذلك في حال الحداثة و حين السعي في التحصيل ما قسم من علوم الرسوم و الأحكام الشرعية و كنا نظن إذ ذاك أنه ليس الشيوخ إلا الذين تأخذ عنهم تلك الرسوم إلا أن الله تبارك و تعالى بفضله و رحمته أناح لنا في تلك الحالة إشراقا تهدي إلى محبة و محبة أوليائه فكنت أسمع بعض أشياخي الصالحين الذين أقرأ عليهم يقول المرة بعد المرة إذا عنت عويصة من أقوال المفسرين أو المحدثين قال الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه و يبالغ في تعظيم ذكره فسألت الناس عن هذا الذي يعظمه الشيخ هذا التعظيم كلما ذكره فقيل لي ولي كبير الشأن متبحر في العلوم و لا يسأل عن شيء من العلوم إلا أجاب بصريح الحق و الصواب بلا روية و لا مراجعة كتاب فكتب السائل جوابه من إملائه و حفظه كأنه يسرده من أصل صحيح فكنت أتعجب من ذلك و علمت أن لله تعالى أولياء فزرع الله في قلبي محبة الصالحين فلم أزل أسال عنهم و عن أحوالهم و خصوصا شيخنا رضي الله عنه فأبحث عن أصحابه و أتلقى منهم أخباره و أحواله العجيبة فتربو محبة الله تعالى في قلبي و يزداد شوقي و غرامي فلم يلبث الشيخ رضي الله عنه أن توفي إلى رضوان الله الأكبر و كرامته لباقية و كنت ممن حضر جنازته و الصلاة عليه و الحمد لله فلما أخذت طريقته المباركة عن وارث أنواره

أتاني هواها قبل أن اعرف الهوى               فصادف قلبي خاليا فتمكنا

الخ كلامه رضي الله عنه و لفرط محبة صاحب الترجمة في سيدنا رضي الله عنه و في طريقته المحمدية كان يضرب به المثل فيها و هو أحد القائمين على ساق الجد في الذب عن حماها المنيع و رد تهورات كل شنيع و فيه يقول البكي المخناري من قصيدة في مدح معرضا بطريقة سيدنا رضي الله عنه:

يهيم بها السامي عليها محمد ابـ       ـن أحمد كنسوس الفتي من له الفخر

لقد زانها من  فضله  و جلاله        بما   لم   تزنه   لا افتراء   و لا غدر

إلى أن قال

و ما عبت تجانية غير أنني                حسود لعصفور مصاد له صقر

و قد أجاب صاحب الترجمة برسالته المشهورة بالجواب المسكت رادا على حين قصد التنكيت عليه بذلك في دخوله لهذه الطريقة و صدر الجواب بقصيدة في الوزن و القافية موافقة لقصيدته مع إغضاء الطرف عن معايبه يقول في مطلعها:

 

و اعلم أن صاحب الترجمة كان أية من آيات الله في الدلالة على الحق و الإرشاد إليه في سره نجوا و له تأليف عديدة و رسائل مفيدة و قصائد تسبى العقول و غير ذلك مما أقر له بالفضل به أو لو المعقول و المنقول ذكرنا بعضها في غير هذا الموضوع قصدا للاختصار و قد كان كثيرا ما ينشد ما أنشديه سيدي و مولاي أحمد العبدلاوي نفعني الله و المحبين ببركاته.

و إذا أراد الله نصرة   عبده                      كانت له أعداؤه أنصارا

و إذا أراد خلاصه من هلكة                    أجرى له في نارها  أنهارا

و لنذكر هنا تتميها للفائدة من أجوبته اللطيفة و مقالاته الشريفة من أجاب به بعض الشرفاء الأدارسة عن سؤال يظهر من جوابه و نصه : و بعد فقد بلغنا مسطوركم و علمنا ما أشارت إليه و ما أنقدح في صدرك من الإيمان الموجب لتحريك للصواب و أخذا بالورع في المأكول و الشراب و تحريك من أكل الذبائح و الفتوح و الهدايا.

فاعلم أيها الأخ أصلح الله منا و منكم البواطن بالنيات الصالحات و زين الظواهر بالطاعات المتقبلة أن المؤمن الموفق لا يضيق على نفسه في هذا الزمان لأنه إن فعل ذلك لا يجد مخرجا و لا مهيعا لفساد الزمان و غالب أهله بل الواجب على الإنسان اليوم إن وجد في المسألة وجها شرعيا و قولا لأحد الأئمة المقتدي بهم و إن كان ضعيفا أن يعتمده و يكيفه حجة عند الله تعالى، و هذا الذي تحرجت منه لا حرج فيه فقد تلقاء المسلمون بالقبول و عمل به في الأمصار و جميع الأقطار بغير نكير و ذلك كاف إن شاء الله لا سيما مع شدة الاحتياج إليه و قد علمت أن الضرورات تبيح المحظورات كأكل الميتة للجائع و إساغة اللقمة بالخمر للغاص و هذا الزمان هو الذي قال فيه سفيان الثوري رضي الله عته لا تطلب في آخر الزمان ما لا شبهة فيه فتموت جائعا و لا عالما عاملا فتبقى جاهلا، و لا صاحبا لا عيب فيه فتبقى بلا صاحب و لا عملا لا راء فيه فتبقى بلا عمل، فهذه الأربعة لا تطلب في هذا الزمان، و ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه، و إن تفطنت يا أخي علمت أن هذا مكيدة من مكائد الشيطان أعاذنا الله و إياك من شره فإنه يزين للمؤمن الورع في غير محله و التوكل قبل البلوغ إلى مقامه و الخروج عن جميع الأموال و الأسباب قبل التمكن من صدق اليقين لأنه ان فعل ذلك ضاقت عليه المعيشة و تعذر عليه إقامة دينه و تشوش باطنه إذا رأى أهله و عياله في أسوأ حال، فربما يضيع الفرائض فضلا على النوافل، فيتوصل عدو الله إلى مراده من المكر به، فيقول له ما أوقعك في هذا إلا اتباعك لطريق المتصوفة و اقتدائك برجل غير معصوم يدعى المشيخة، و لو كانت له القدرة على نفعك لنفعك و كاشف عن سوء حالك هذه و رحمك، و إذا عجز عن نفعك في الدنيا فلا ينفعك في الآخرة، و رجع إلى ما كنت عليه من الأسباب و توكل على الله فإنه لا ينفع و لا يضر إلا الله وحده فإن أطاعه في ذلك فذلك هو الخسران المبين، و إن يبقى على حاله من الضيق عاش في الفتنة التي جنى على نفسه حيث خالف الشريعة و أعرض عن تدبير الله له، و دبر لنفسه لأن الخروج عن الأسباب مع إقامة الله له فيها من الشهوة الخفية، فلذلك قيل مقامك حيث أقامك و إذا أراد الله شيئا هيأ أسبابه و إلا فأنت كما تنتقى في الأخذ تنتقى في الترك أيضا. قال السري السقطي للإمام احمد بن حنبل رضي الله عنهما احذر آفات الرد كما تحذر آفات القبول.

و قولك و قصدنا في ذلك صفاء اللقمة التي هي للناس طريق الله لا محالة إن الأمر كذلك إلا أن ذلك في زماننا هذا محال أو مثل المحال لأجل ما ذكرناه من قول سفيان و غيره و قد نص شيوخ الطريق على انقطاع التربية المصطلح عليها منذ زمان و كرهوا السلوك بها و لم يبقى إلا الأهم الباهلة.

قال شيخنا رضي الله عنه من أراد السلوك في هذا الزمان كمن أراد سلما يصعد به إلى السماء، فالحاصل لا تفتن نفسك بالتشوف إلى ما كان عليه السلف الصالح من الأحوال السنية فإنهم قد أعانهم على ذلك زمانهم ثم جاء زمن آخر له حكم آخر. و لقد ظفرت يمينك بحمد الله بسبب متين من السعادة فتمسك به فإنه يكفيك جميع المهمات الدينية و الدنيوية، و هو عهد هذا الشيخ الكامل، فقد أفاض عليه الحق و على أتباعه فيضة عظيمة من السعادة قد ألحقت أهل هذا الزمان بمن قبلهم بلا مشقة لما علم الله سبحانه و تعالى عجزهم عن سلوك الطريق على الوجه المطلوب المصطلح عليه أخذ بأيمانهم فأوقفهم بالباب و طوي لهم المسافات التي لا تقطع في الأعمار الطوال جعلنا الله و إياكم ممن شملته هذه الرحمة و أظلته هذه المنة آمين.

و أقول لك يا أخي إن هذه الدار لابد فيها من الصبر لا سيما على أهل النسبة إلى أهل الله تعالى (ألم أحب الناس أن يتركوا سدى) الخ فإنهم لا نصفو لهم المشارب إلا في آخر الأمر حيث يعلم الله صدقهم في دعواهم المحبة و لكن قد وعد المتقين على لسان الوحي الكريم أن تكون العاقبة لهم، و أما أصحاب شيخنا رضي الله عنه و عنهم فإن الشيخ رضي الله عنه قال : إن الله تعالى قد تفضل عليهم بلطف خاص دون غيرهم فلا تنال منهم الشدائد الدنيوية كما تنال من غيرهم بل تحفهم الألطاف من جميع النواحي في جميع أحوالهم إلا من فرط و ضيع أوراده، فمن وجد شيئا من ضيق الحال فليلتفت إلى دينه ثم يتدارك ما فرط فيه فإنه يتسع حاله في الحين و يأته الفرح من كل وجه.

و أنت أيها الأخ اصبر قليلا قليلا فإنه ستغشاك الكرامة الزائدة و السعة الظاهرة و السيادة الدائمة قريبا إن شاء الله تعالى بعناية شيخنا و بركة متابعته و أكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو عماد طريقنا و مفتاح كل خير في الدنيا و الآخرة و استعين بذكر يالطيف دبر كل فرض ألف مرة بنية نفي الفقر و حصول الغنى فإنه كفيل بذلك إن شاء الله تعالى و في ما كتبناه لك كفاية اه

و اعلم أن ترجمة صاحب الترجمة قدس الله سره تتبناها لضاق عنها مجلدات و مع ذلك فإنا لا نستوفى معشار العرش مما ناله من الكرامات. و قد حدثني سيدي و مولاي العارف بربه أحمد العبدلاوي نفعني الله به مما رأى منه من الكشف الصريح و السر الباهر الصحيح ما يهرى العقول، قال : و لما اجتمعت به في أول رحلتي من عين ماضي و رأى صدق محبتي و الحمد لله في هذه الطريقة طلب مني أن أجلس عنده و يدخلني الخلوة حتى يتم مقصودي على أحسن الحال فيها فقلت له يا سيدي إني مكلف بأمور من قبل أولاد سيدنا رضي الله عنه فلا يسعني الآن التفرغ لها و يكفيني الورد و فارقته و قلبي معه و الحمد لله و كنت أراه كثيرا ما يقول (سبحانك ما أعظم شأنك يا رب أبهمت الأمر علينا) فقلت مرة في خاطري يا ترى ما سبب مواظبته على هذا الذكر و من أين له به فالتقت إلي و قال لي مكاشفا إنني رأيت في رؤيا رب العزة و أنا ساجد بين يديه أقول ذلك فلذلك تراني مواظبا عليه، قال و أتيته مرة فوجدته في ضيق نفس و ضجر، و هو يذكر الذكر المذكور فقلت في نفسي، لابد أن أخرج لآني له بفأل يخفف ما به و كان يحب الفأل الحسن فخرجت على هذه النية فسمعت صوتا لا أرى شخصه و لم أدري من أين هو يتلو قوله تعالى(إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) الآية، ثم دخلت عليه و أخبرته بذلك فقال قد فرجت عني فرج الله عنك اه.

و كان رضي الله عنه في هذه الطريقة المحمدية قائما على ساق الجد و الاجتهاد في رد شبهات أولى العناد و الانتقاد فكم شفى من علة و أبرد من غلة و أماط النقاب عن مخدرات المعارف، و أزال الحجاب عن أبكار اللطائف و ما تكلم في مسألة من سائر العلوم إلا و أتى بها لا مزيد عليه في بابها.

فإذا قرأت كلامه فكأنه               في حسنه تتلو كتابا منزلا

توفي رحمه الله في آخر المحرم من عام 1294 و ضريحه بمراكش مقصود للزيارة نفعنا الله ببركاته و أعاد علينا و على المسلمين نفحة من نفحاته و سقى مثواه بشآبيب الرضوان و قدس روحه في الجنان بروح و ريحان آمين.