بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه

ضمن النبي صلى الله عليه و سلم له و لأخيه كمال المعرفة بالله كما بلغنا ذلك عن الشيخ رضي الله عنه. 
وكان جامعا للأسرار منبعا للكرامات الباهرة و التصرفات الظاهرة مع الاحتياط التام في كتم أسراره و أسرار الشيخ قدس الله سره .

 

ولادته
ولد سيدي محمد الحبيب بفاس ووالدته هي السيدة امبيركة، أما أخوه سيدي محمد الكبير فقد ولد بأبي سمغون وأمه السيدة مبروكة

أمه السيدة الغالية المتصفة بالهمة العالية السيدة "مباركة" ذات القلب السليم والفضل العميم والمآثر الفاخرة والكرامات الظاهرة، تزوج بها سيدنا رضي الله عنه بعد عتقها ونالت منه رضي الله عنه الحظ الوافر من المودة التامة، وهذا ما يدل على فائق عنايته واهتمامه بأمور الإماء والعبيد إذ كان لا يحب أن يترك تحت يده أو يد غيره من الناس خدما بلا تزويج ويقول لأصحابه "من يملك الأمة من غير أن يتسرى بها أو يزوجها لغيره...فليحط سبحتي ما بيني وبينه" لما اعتاده الناس من تهميشهم وإهمال حقهم في الزواج، فكان رضي الله عنه يقول: "الدار المباركة هي التي فيها مبارك ومباركة"

 نشأته
نشأ سيدنا محمد الحبيب في عفاف وصيانة وتقوى محروسا بعناية ورعاية سيدنا الشيخ رضي الله عنه، إذ كان شديد الحرص على تهذيبه "فكان يسد عليهما البيت الذي هما فيه عند نومهما إلى طلوع الفجر" أي هو وأخوه سيدي محمد الكبير، وبعد سبع سنين أو ثمان… جعل لهما فراشين، مستقلين في الدار الصغرى التي كان يسكنها صاحبه، وأمر أمهاتهما إذا دخلوا الدار كل واحدة تقوم مع ابنها حتى يخرج من الدار.. وقد زوجه سيدنا الشيخ قبل وفاته بمدة يسيرة اعتناء بشأنه وحفظا له من الشيطان وحزبه، السيدة حسناء أخت أحمد بن موسى يوم عقد لأخيه سيدي محمد الكبير على فاطمة بنت أخيه "بصداق قدره لكل واحدة منهما خمسون ريالا روميا.."

وقد توفي الشيخ رضي الله عنه وعمر سيدي محمد الحبيب يناهز خمس عشرة سنة

نبذة عن حياته

ارتحل سيد محمد الحبيب مع أخيه من فاس صحبة القطب سيدي الحاج علي التماسيني إلى عين ماضي وحج رضي الله عنه مع الركب الطرابلسي برا عام 1265 للهجرة ورجع برا وأتى بأمته زهراء الحبشية أم ولده سيدي أحمد المتوفي قيد حياته. ومما يؤثر عنه أنه قال كل من حضر في جنازة ولدي أحمد يدخل الجنة فقيل له أن عليا زلاط وشمحة اليهودية حضرا وكان علي المذكور يستعمل الدخان فقال حتى علي الزلاط وشمحة، أما علي المذكور فحسنت حاله بعد ذلك وتاب من استعمال تلك العشبة الخبيثة وظهرت عليه امارة الفتح بانحياشه لأهل الخير وأما شمخة المذكورة فبعد وفاة صاحب الترجمة طلبت من أولادها في حال مرضها أن يذهبوا بها الى عين ماض فجاؤوا بها حتى وصلت قرب ضريحه فطفقت تشهد جهرا فصار أولادها يجرونها ويضربونها حتى توفيت هناك.

و قد حج معه جماعة من أحباب سيدنا رضي الله عنه و لما حل بمصر قدم العلماء لزيارته فلم يكلم أحدا منهم لاشتغاله بنفسه و أذكاره و خاف عليهم من تضررهم بمذاكرته لعدم معرفته بقواعد العربية فلما رجع لعين ماضي اشتغل بالنحو و قراءة العلم و هكذا ينبغي لأبناء الشيخ رضي الله عنه أن يشتغلوا بقراءة العلم و تحصيله ليحصلوا على مزية الشرف الطيني و الديني فإن العلم أشرف ما اشتغل به الإنسان و إن كان لهم شفوف المرتبة في مقام الإيمان و الإحسان و ذلك موجب للانتفاع بهم ظاهرا و باطنا لأن الغالب في الناس الميل لمن عنده نصيب من العلوم .
و قد كتب الباي حاكم الجزائر إلى باي تونس ليقبض على سيدي محمد الحبيب حين رجوعه من الحج فلما وصل تونس أعلمه الباي بأن لا يمر على الصحراء إلى عين ماضي و حذره من أهل الجزائر لأن أعداء أولاد الشيخ كانوا يحرضون عليهم حكام الجزائر و يخوفونهم منهم و قد كتب حاكم وهران لأهل الأغواط بعد أن قبض منهم على نحو أربعمائة شخص  منهم ولد بوشيبة وولد احمد الأخضر مخبرا لهم أنهم في أمان إذا وجهوا له أولاد الشيخ ووجه لهم السبحة و دلائل الخيرات في العهد على ذلك.
فاجتمع أصحاب السيد أحمد الأخضر و أصحاب ولد بوشيبة و السيد أحمد بن سالم و غيرهم ليتفاوضوا فيما كتب لهم به وقد حضر معهم القطب سيدي الحاج علي التماسيني من غير طلب منهم في حضوره و كان من جملة من حضر أيضا السيد النبوي التاجموتي و كان قد رأى رؤيا يقول الشيخ فيها له محمد الكبير يشرق و محمد الصغير يغرب و الخيمة تبقى هناك حتى يقع عليها الكشاف فقال لهم سيدي الحاج علي من غير أن يعلمه السيد النبوي برؤياه:" قل لنا ما قال الشيخ لك البارحة." فقال:" يا سيدي قال كيت وكيت." فقال القطب سيدي الحاج علي:" كيف نعطي أولاد الشيخ للترك يلعبون بهم .".
ثم أمر سيدي محمد الحبيب أن يتوجه إلى أبي سمغون على طريق الصحراء فأقام هناك و سافر هو بسيدي محمد الكبير إلى تماسين و زوجه بابنته و حفظهم الله من مكر الترك بهم و بقي سيدي محمد الكبير بتماسين حتى رجع لأبي سمغون و كانت الوقعة به و بمن معه ببلدة معسكر .
أما سيدي محمد الحبيب فقد خلف بعده ورّاث سره زاد الله في عددهم و مددهم و قد تزوج بزوجات من ذوات البيوتات و تسرى بإماء منهن والدة سيدي محمد البشير السيدة فريحة أما ولده سيدي أحمد عمار فهو من أمة اسمها العافية ولدته بناحية كالمة من عمالة قسنطينة  .

خلف سيدي محمد الحبيب والده رضي الله عنه في الهداية والإرشاد والنفع العميم للعباد وبذل النصيحة لعامة المسلمين، بما خصه الله به وكغيره من أبناء الشيخ من الكمال الفطري والمعرفة بالله المضمونة لهم من جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي جعل الخلافة موقوفة عليهم. فكان كثير الإهتمام والحرص على تطور وصلاح أمور الزوايا وأحوال المريدين والفقراء

في هذه الفترة التي عاشها سيدي محمد الحبيب، والتي تزامنت مع الإحتلال الفرنسي للجزائر كثرت الخلافات ما بين الأمير عبد القادر والفرنسيين، وفي ظل هذه النزاعات تحدَّث البعض عن تورط سيدي محمد الحبيب في هذا الصراع مدعين علاقته بالفرنسيين وعداوته للأمير عبد القادر.
إلا أن الحقائق التاريخية تفند هذا القول خاصة وأنه "لم يذكر أي مؤرخ أن التجانيين تأخروا عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم مع الأمير"، وقد دون سيدي محمد بن الأمير عبد القادر تلك الوقائع وبيّن الخلاف في تحفة الزائرــ وقد ذكر أنه كان يراجع فيه والده رضي الله عنه ــ ولم يذكر أن لسيدي محمد الحبيب أي صلة بها، وقال في التعريف به: "وأصل التجاني من أشراف المغرب وقال في والده .. وكان عالما زاهدا مشتهرا بالصلاح وقصده الناس للتبرك به.."

وفاته

وفيما يخص الأحداث التي أحاطت بوفاته حدث رفيقه وحبيبه  سيدي  أحمد العبدلاوي رضي الله عنه أن العدو كتب إلى سيدي محمد الحبيب  رضي الله عنه رسالة مضمنها نطلب منك أن تقدم للجزائر لنتبرك بك ، قال فلما حلت بيده الرسالة دخل لبستانه و أمرني بالدخول معه ثم قال لأحد خدامه سد الباب و لا تترك أحدا يدخل علينا ، فلما اطمأن بنا الجلوس  قال لي قد وقع كذا و كذا و قد عرفت مقصوده ، و الآن جاره و قل له إني لا آتي إليه أبدا و إن ضيقت عليه في هذا الوطن فأرض الله واسعة.  
قال ثم افترقنا في تلك الساعة و كنت في الغالب أتعشى معه إلا في ذلك اليوم فإني لم أملك نفسي من شدة الهول الذي داخلني من أجله و بقيت متحيرا في هذا الأمر ، وفي غير ذلك اليوم بعث إلي فلما جئته قال لي بعض الخدام مالك لم تأت البارحة في العشاء فإن ابن سيدنا إلى الآن  لم يأكل شيئا و لم يدر أحد ما سبب ذلك ، فلما اجتمعت به قال : " اسأل الله أن لا أرى وجه نصراني و لا جوابا منه " فلم تمض أربعة أيام عليه حتى قبضه الله تعالى إليه . 

 توفي رضي الله عنه بعين ماضي عام 1269 للهجرة وحضر وفاته العلامة أبو العباس البناني رحم الله الجميع.

 

المصادر: كشف الحجاب، رفع النقاب، اليواقيت العرفانية، الإفادة الأحمدية...