بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

الطريقة التجانية

سئل سيدنا رضي الله عنه عن قوله:
 [الله يجتبي إليه من يشاء و يهدي إليه من ينيب] .الشورى.

فأجاب رضي الله عنه : 
معنى الاجتباء هو جذب الله تعالى للعبد إلى حضرة قدسه بحكم الفضل و الجود والعناية بلا تقدم سبب من العبد   .
 و المجتبى يسمى محبوبا و مصطفى و مرادا و معتنى به ، فهذه الأسماء للمجتبى و هذا الاجتباء سبق به الحكم الإلهي في الأزل بلا علة و لا سبب ، و لذا قيل كم من صديق في الغبا و كم من عدو  في العبا ، و الغبا هو الجهل و الضلال و الكفر و المخالفة ، فهذه الأمور كلها لا تضر لأن العناية كافلة و شاملة له.


  و في هذا يقول صلى الله عليه و سلم في هند بنت عتبة وكانت في أعظم العداوة لله و رسوله وأكلت كبد حمزة رضي الله عنه غيظا و حقدا قال  : " لا يجتمع كبد حمزة و النار في جوفها أبدا " ، أخبر صلى الله عليه و سلم أنها سعيدة بأرباح العناية الأزلية ، و لم يضرها ما فعلت ،  والعبا هي العبادة و التقرب إلى الله تعالى فكم فيها لله من عدو يعني في الغيب أنه يموت كافرا ، و كذلك ما وقع لعمير ابن وهب حين كان قاصدا قتل النبي صلى الله عليه و سلم و كان من صناديد قريش و من شياطينهم ،فلما رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الباب و السيف في عنقه اغتاظ ودخل على النبي صلى الله عليه و سلم وقال له : "هذا عمير ابن وهب دعني أقتله فما جاء لخير و هو الذي حرز للقوم يوم بدر" قال صلى الله عليه و سلم:" دعه " ثم أدخله عليه قال له  صلى الله عليه و سلم :" ما جاء بك ؟" قال له :" جئتكم لتحسنوا إليّ في هذا الأسير." و كان ابنه أسيرا فقال صلى الله عليه و سلم:" بل جلست أنت وصفوان ابن أمية في الحجر و ليس معكما غيركما و ذكر له جميع ما تحدثا به إلى أن قال له :" وجئت لتقتلني " فقال له عمير :" لو كان معنا ثالث لقلت أخبرك بذلك و أنا الآن أيقنت أن خبرك حق فأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أنك رسول الله و حسن إسلامه ، ثم رجع إلى مكة و صار يدعو الناس إلى الإسلام حتى أسلم معه خلق كثير رضي الله عنه ،  ثم دام على إسلامه رضي الله عنه.
 فانظر هذا الاجتباء الذي اجتباه ربه فما أثر فيه عظم ذنبه و لا ما اقترفه من حوبه بل تمكن من صفاء صفوة  النور الإلهي ، و ألبس حلة القرب و صار عبدا خالصا لله .
  و قوله تعالى: " من يشاء... " : أي بلا سبب و لا  علة بل بمحض الفضل و الجود.
 قوله تعالى: " و يهدي إليه من ينيب " أي من أناب إلى الله بصدق تقواه ، في معاملته لله تعالى بالصفاء ، هداه إليه حتى يوصله إلى حضرة قدسه. 
 و لم يذكر الله في حق الأنبياء عليهم الصلاة و السلام إلا الاجتباء ، قال سبحانه و تعالى في حق آدم عليه السلام : [ ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى]  و في حق يونس عليه السلام  [فاجتباه ربه و جعله من الصالحين]  وفي حق الأنبياء حين ذكرهم في سورة الأنعام  [واجتبيناهم و هديناهم إلى صراط مستقيم]  ، فسلكوا الطريق إليه بذلك الاجتباء عليهم الصلاة و السلام .
 وما ما ذكر في الآية من الاجتباء و الإنابة في الطائفة الأولى هم أهل الإنابة و صاحبها يسمى مريدا و محبا و مخلصا ، وسائرا إلى الله تعالى ، قال سبحانه و تعالى في جزائهم أنه يهديهم إليه جزاء لتقدم تقواهم ، و الطائفة الثانية أخبر أنه اجتباهم بمحض المشيئة بلا تقدم سبب وصاحبها يسمى مصطفى ومجتبى و مخلصا بفتح اللام و مقربا و محبوبا و مرادا و معتنى به. 
و في هذا يقول بعض الصوفية في سيدنا موسى عليه السلام وعلى  نبينا صلى الله عليه و سلم:  أن سيدنا موسى لما أراد الارتحال إلى الله و العروج إليه  ، أمره بصيام ثلاثين يوما متصلة ليلا و نهارا فلما كملت ثلاثون ،أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب طلبا لزوال ما أنكره من فمه فعاتبه الله على ذلك السواك  و أمره بزيادة عشر لتكمل أربعين ليلة ، أما سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ليلة المعراج  لم يأمره بعمل شيء إلا الملك  نزل عليه  و قال له:" قم ".فعرج به فكان سيدنا موسى عليه السلام مقامه مقام  المريد المحب ، فأمِر بتقدم السبب منه ، و سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم مقامه مقام المُراد المخلَص المجتبى ، فما أمره بتقدم شيء فاجتباه بلا سبب ، و قربه إليه بلا علة ، بل بمحض الفضل و الجود و الكرم .

لطيفة :  قال سيدنا رضي الله عنه  :" ما خلق الله لنفسه إلا سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، والباقي من الوجود كله مخلوق لأجله صلى الله عليه و سلم و معلل بوجوده  صلى الله عليه و سلم ،  لولا أنه  خلق سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ما خلق شيئا من العوالم ، فبان لك أن  الوجود كله مخلوق لأجله صلى الله عليه و سلم . "

جواهر المعاني