الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ التحذير من الإنكار في الأمور التي اختلف العلماء في حكمها
التحذير من الإنكار في الأمور التي اختلف العلماء في حكمها - PDF

التحذير من الإنكار في الأمور التي اختلف العلماء في حكمها

أنّ مُسوّغ الإنكار على الناس شيء عسير ، بل متعذّر ، إذ قال عزّ الدين بن عبد السلام :
الإنكار متعلّق بما أُجمِع على إيجابه أو تحريمه ، فمن ترك ما اختُلِف في وجوبه ، أو فعل ما اختلف في تحريمه ، فإن قلّد بعض العلماء في ذلك فلا إنكار عليه ، إلاّ أن يقلده في مسألة ينقض حكمه في مثلها . فإن كان جاهلا لم ينكر عليه ، ولا بأس إلى إرشاده إلى الأصلح . وإنما لم يُنكَر عليه لأنه لم يرتكب محرّما ، فإنه لا يلزمه تقليد من قال بالتحريم ولا بالإيجاب. أهـ .
و في القواعد الزروقية :
لا حكم إلاّ للشارع ، فلا حكم إلاّ له ، قال الله تعالى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  . وقد أوجب وحرّم وندب وكرّه وأباح ، وبيّنَ العلماء ما جاء عنه كلاّ بوجهه ودليله ، فلزم الرجوع لأصولهم في ذلك من غير تعدٍّ للحق ، ولا خروج عن الصدق . فمَن أخلّ بالأولين طرح حيث اتفق عليه إجماعا ، وحيث يختلف اعتبر أمامه في حكمه فلا ينكر عليه غير ما اتفق عليه بمذهبه إن تكرر بغير ضرورة ، وإلاّ فالضرورة لها أحكام . وما بعد الواجب والمحرّم ليس لأحد على أحد فيه سبيل إن أثبت حكمه على وجهه ، ولم يتعلّق بالغير تركه ، ولم يخرج به الأمر لحدّ التهاون ، أو تشهد أحواله بالإزراء بذلك ، ورقة الديانة ، « فرُبّ طاعمٍ شاكرٍ خير من صائم صابر ، الحديث . » ومِن ثَمّ أجمع القوم على أنهم لا يوقظون نائما ، ولا يُصَوِّمون مفطرا من وجه دخول الرياء والتكلّف ، ولأن العناية بإقامة الفرائض هي الأصل لا غيرها وكل السنّة تشهد لذلك ، والله أعلم .
وفي تلخيص الإخوان :
ولا بأس بإرشاد العامّي إلى ما هو الأحوط في دينه ، ولا بأس بمناظرة المجتهد ليرجع إلى الدليل الراجح ، فلا يجوز الإنكار إلاّ لمن علِم أنّ الفعل الذي ينهى عنه مُجمَع على تحريمه ، وأنّ الفعل الذي يأمر به مُجمَع على إيجابه ، ونعني بالنهى عن إنكار الحرام ولو أنكره إنكار الرشاد فذلك نصح وإحسان .
وقال ابن الهندي رحمه الله تعالى :
لا تتعرض لكل من حكَمَ في مسألة من مسائل الفروع إلاّ إذا علمتَ أنّ حكمه مخالف للقرآن والسُنّة ، وإنْ لم تعلم ذلك فلا تتعرّض لحكمه وإن علمتَ أنّ حكمه مخالف للمدوّنة وغيرها .
وقال الإشبيلي في شرح الأربعين النووية :
وإنما يأمر وينهى مَن كان عالما بما يأمر به وما ينهى عنه ، فإن كان منَ الأمور الظاهرة ، مثل الصلاة والصوم والزنا وشرب الخمر ونحوها ، فكل الناس علماء بها ، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ، وما يتعلّق بالإجتهاد ، لم يكن للعوام فيه مدخل ، ولا لهم إنكاره ، وذلك للعلماء ، والعلماء إنما ينكرون ما أُجْمِعَ عليه ، أمّا المختلَف فيه فلا إنكار فيه .
وفي الدرر :
فمَن شدّد شدّد الله عليه . فمراد الله تعالى في هذه الأمة أن يقع الإختلاف فيحصل التيسير ، ولذلك أنزل إليهم كتابا عربيّا ، ولغة العرب متّسعة ، محتملة للمعاني المختلفة . أهـ .
وقال محمد بن يوسف المواق ، في سنن المهتدين :
قال عياض : ما اختلف العلماء في تحليله وتحريمه فلا يقال فيه حرام . وقال في أول الإكمال : لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمِل الناسَ على اجتهاده ومذهبه ، وإنّما يغيّر منه ما أجمِعَ على إحداثه وإنكاره . وشرح محي الدين النووي كلام عياض قائلا : أما المختلَف فيه فلا إنكار فيه ، وليس للمفتي ولا للقاضي أن يتعرّض لمن خالفه إذا لم يخالف نصّ القرآن والسنّة أو الإجماع .
وقال شيخ الشيوخ أبو عمر في تمهيده : ألا ترى أن الصحابة اختلفوا وهُمْ الأسوة فلم يعِبْ أحدٌ منهم على صاحبه ولا وجد عليه في نفسه .
ونقل أبو عمر بسنده إلى الثوري : إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختُلِف فيه وأنك ترى غيره فلا تنهه .
وقال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي : الأوْلى عندي في كل نازلة يكون لعلماء المذهب فيها قولان فيعمل الناس على موافقة أحدهما وإن كان مرجوحا في النظر أن لا يتعرض لهم ، وأن يوجدوا على أنهم قلدوه في الزمان الأول وجرى به العمل ، فإنهم إنْ حُمِلوا على غير ذلك كان في ذلك تشويش للعامة ، وفتْح لِبَابِ الخصام .
وقال ابن عرفة : قول ابن حزم : " أجمعوا على أنّ مُتّبِعَ الرخَص فاسق " مردود بما أفتى به الشيخ المتفق على علمه وصلاحه عزّ الدين بن عبد السلام : أنه لا يتعيّن على العامة إذا قلّدوا إماما في مسألة أن يقلدوه في سائر مسائل الخلاف لأن الناس مِن لَدُن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما سنح لهم العلماء المختلفين من غير نكير من أحد ، وسواء اتّبع الرخص في ذلك أو العزائم لأن من جعل المصيب واحدا لم يعَيِّنْهُ ، ومن قال كلّ مجتهد مصيب ، فلا إنكار على من قلّد في الصواب .
وقال القرافي : إنعقد الإجماع على أن من سلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حَجْر ، وأجمع الصحابة على أنّ مَن استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما من غير نكير ، فمَن ادّعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل .
(وقال القرافي) أيضا : من أتى شيئا مختلَفا فيه يعتقد تحريمه أُنكر عليه لانتهاكه الحرمة وإن اعتقد تحليله لم ينكر عليه أهـ .
قلتُ : وإذا فهمتَ جميع ما تقدم علمتَ أن مسوّغ حرمة الإنكار شيء عسير ، بل معتذر ، ولا يزال المعترض يعترض على الخلق حتى يعترض على الله ، كما لا يزال المنكِر ينكر على الباطل حتى ينكر على الحق . وشروط الإنكار ثلاثة : الأول العلم ليتحقق مقوله ويحرر منقوله ويوضح دليله فيثبت قيله ، والثاني التبصر ليفرق بين الحق والباطل ولا سيما فيما يشتبهه فيه الحق بالباطل ، ويظهر المتحلّي به كالعاطل ، فيعتبر كل شيء حيث يثبت ، ويوجه كلامه حيث يوجد الشيء لا حيث يفقد ، وحيث يكون فيه محلّ للنكير بوجه واضح ، والثالث التقوى يتصف وينصح لا يتصف به ويقدح ، ولذا قالوا :
ذكرُ ما يقع منهم ـ يعني من أهل الزمان ـ مِنَ المناكر بقصدٍ صادقٍ ، نافعٌ مفيدٌ ، غير أنه صعب يفتقر إلى التحقيق في المدارك ، وتضلع في العلوم ، وتجربة تامة ، فإنّ الأمور قليل منها ما يكون أمرا حقيقيّا يُذَمّ من كلّ وجهٍ أو يُمدَح من كلّ وجهٍ ، بل أكثرها إضافي إعتباري في اختلاف الأشخاص والمقاصد والأزمنة والأمكنة والأحوال .
فافهم وانظر المحاضرات للحسن الألوسي .

فإذا فهمتَ ما تقرر فاغتنم مَنْ هذا وصفُه حيث كان ، وسِرْ إليه وإن كان بأبعد مكان . هكذا هكذا وإلا فلا . طرقُ الجِدّ غير طرق المزاح ، واحذر من كلّ جاهل يتحامل ، أو جامد ناقل ، وحاسد يعرف الحق ويتجاهل . أما الجاهل الذي يتحامل ويتصدر للتدريس ، أو ينقل ويقيس ، فهو شرّ من اللعين إبليس ، إذ لا أجهل أو أفسد بالدين مِنْ متعصّب بالباطل ، أو منكر لما هو جاهل . ومِن ثَمّ قال بعض العلماء :
وإنما يؤتى بعض الناس من عدَم معرفتهم قدر أنفسهم ، وكل من تعاطى شيئا من مبادئ الإصلاح ظن أنه قد وصل ، وعلى المقصود حصل ، فتهيّأ وتربّع ، وجلس وارتفع ، وقال ما شاء ، ولا يبالي بما أفلس أوقاء ، توقّحا وتقحّما لا علما روى ، ولا فهما درى ، بل يخبط خبط عشواء ، ويبدي مقالة شنعاء ، بلا حشمة ولا حياء ، غافلا عمّا يلزمه من العار ، ويقحمه في النار ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون .
وأما الجامد الناقل ، وإن كان يسرد كثيرا من الأمهات ، ويحفظ كثيرا من المسائل ، ويدرس كثيرا من الفنون ، فاحترزْ منه ، لا سيما إن كان مطفّفا في العلم والعمل ، يثبت مزية نفسه ويحسن الظن بها ، ويجحد مزية غيره ويسيئ الظن به ، نظرَ إلى أحوال السلف الصالح واتخذها حالا لنفسه ظنا منه أنه تحلّى بها ، فأراد حمْل الناس على ما يتوهّم أنه مذهبه ، وأن طريقته هذه تعم وأنّ كلّ مَن خالفه فهو مبطل ، وأنّ من وافقه فهو مُحِقّ ، مع أن شواهد الإمتحان تنبئ أنه قاصد عمّا يدّعيه ، كما قال الشاعر :
إن تك ناسكا فكن كأويس = أو تك فاتكا فكن كابن هاني
مَنْ تحَلّى بغير ما هو فيه = فضَحَتْه شواهد الإمتحان

وقال غيره :
إذا ما ذكرتَ الناسَ فاترك عيوبَهم = ولا عيب إلاّ لمثل ما فيك يُذكر
فإنْ عِبْتَ قوما بالذي هو فيهم = فذلك عند الله والناس أكبر
وإنْ عبتَ قوما بالذي فيك مثله = فكيف يعيب العور من هو أعور

وأشدّ ما يقع فيه مثل هذا أنه يتعاطى الإنكار في الخلافيات والأمور العاديات التي سكت الشرع عن الكلام في أكثرها ، والبدع الإضافيات ، وهي التي تضاف لأمور لو تسلم منها لم تَصِح المنازعة في كونها سنّة أو غير بدعة بخلاف أو بلا خلاف ، وهي أكثرية أو أغلبية في الأزمان . فلا يزال ينكر على العام والخاص بما هو متلبس به ، ويريد أن يحملهم على الورع مع خلوه عنه ، إلاّ أنه لا يجوز حمل العامة على الورع لأن العامي يتصرف بالعلم على وجه إسقاط الحرج ، ومن ثَمّ قال شيخ الشيوخ ابن لبّ :
إذا كان عمل الناس على قول بعض العلماء فلا ينبغي إنكاره ، لا سيما إن كان الخلاف في الكراهة ، فذلك الإنكار جهالة عظيمة ما حمل من أنكر على إنكاره إلا أنه أبصر ما أمامه ولم يلتف إلى خلفه ووراءه ، ووقف على بعض مسائل في المذهب ولم يهتدِ لواضح سبيلها ، ولا شعر بوجهها ودليلها ، ولا علم اختلاف العلماء في أصلها ، ولم يُعطِها من الفهم والتأمل حقها ، فظن أن لا عِلْمَ إلاّ ما عَلِمَ ، ولا فَهْمَ إلاّ ما فَهِمَ ، فاحتقر العامة ، وجهّل الخاصة ، ورأى أنه وحده على الجادة . إنتهى كلام ابن لبّ .
فشدّ يدك عليه فإنه نفيس في بابه .
وأما الحاسد الذي يعرف الحق ويتجاهل ، فاحترز منه وهو الذي يجعل علمه حجة على الناس ينتصف به عليهم ويغالطهم به ويجادل ، والمغالطة تلبيس الحق بالباطل ، وإدخال التشويش على أهل الحق ، وإثارة الشُّبَهِ عليهم بباطل في صورة حق ، والجدال والمغالبة بالعلم على وجه لا يرتضيه الله ورسوله . قال الشافعي رضي الله تعالى عنه :
إذا رأيتَ الرجل يجادل فاستدل على أنه رجل سوء . إنتهى .
والله تعالى الموفق بِمَنّه للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .

من كتاب "الرماح" لسيدي الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه


بعض تعاليم الطريقة التجانية