الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ الأدب
الأدب - PDF

الأدب

 اتفق المشايخ الكاملين و العارفين المحققين على أن الأدب في طريق أهل الله تعالى آكد كل أمر و جامعٌ لكل خير و بر ، و نصوا على أن من لازم سلوك سبيله في جميع ذلك وصل واتصل ، ومن حاد عن نهجه انقطع و انفصل ، وذلك لأن الطريق آداب كلها ، لكل وقت أدب و لكل حال أدب و لكل مقام أدب.
 
قال صلى الله عليه و سلم " أدبني ربي فأحسن تأديبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق  ".
و من تعريفاته جاء في "العوارف" :" الأدب تهذيب الظاهر و الباطن ، فإذا تهذب ظاهر العبد و باطنه صار أديبا ."
قال الشيخ محي الدين رضي الله عنه:" الأدب جماع الخير ..."
ونقل في "العوارف"  عن عبد الله ابن المبارك  أنه قال: "الأدب معرفة النفس."   ‏
فإذا عرف العبد النفس صادف نور العرفان و من عرف نفسه فقد عرف ربه.   ‏.
‏جاء في "العوارف" لعبد الله بن المبارك قال الشيخ محيي الدين النووي  رحمه الله تعالى في فتاويه ما معناه : "من عرف نفسه بالضعف والإفتقار إلى الله تعالى والعبودية له عرف ربه بالقوة والربوبية والكمال المطلق والصفات العليا ."
‏وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله رحمه الله تعالى في "لطائف المنن " :
سمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول:" في هذا الحديث تأويلان:
 أحدهما : من عرف نفسه بذلها وعجزها وفقرها عرف الله بعزه وقدرته وغناه ، فتكون معرفة النفس أولا، ثم معرفة الله من بعد .
والثاني : من عرف نفسه فقد دل ذلك منه على أنه عرف الله قبل ، فالأول حال السالكين، والثاني حال المجذوبين.".
‏وقال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه  في" قوت القلوب" :" معناه إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق وأنك تكره الاعتراض عليك في أفعالك  وأن يعاب عليك ما تصنع عرفت منه صفات خالقك، وأنه يكره ذلك ، فارْضَ بقضائه وعامله بما تحب أن تعامَل به ."

وقال ابن عطاء:
" الأدب الوقوف مع المستحسنات."
 قيل له: " ما معنى ذلك؟ " 
قال:" أن تعامل الله سرا وعلانية بالأدب، فإن كنت كذلك كنت أديبا وإن كنت أعجميا.
 ثم أنشد:
‏إذا نطقت جاءت بكل مليحة                             وان سكتت جاءت بكل مليح."."
‏ وما أحسن قول بعضهم فى الأدب:"
الأدب أن يؤدب العبد ظاهره وباطنه ، أما ظاهره فبالشريعة بأن يتبع السنة، قولا وفعلا، وأما باطنه فبالحقيقة بأن يرضى بما يرد عليه من الله ويتلقاه بالقبول، ويرى أن الكل نعمة عليه من الله تعالى ، إما عاجلة وإما آجلة، فالعاجلة بلوغ النفس محبوبها عاجلا، والآجلة كأنواع المضار و المكاره، فإنه يثاب عليها آجلا ويحط بها عنه من خطيئاته، فهي نعمة بهذا الاعتبار ، وصاحب هذا الأدب هو المخصوص برؤية النعم في طيّ النقم، فيرى نعم الله تعالى عليه ظاهرة وباطنة.".
‏قال العارف بالله سيدي عبد الرحمان بن محمد الفاسي رضي الله عنه في حاشيته على شرح الشيخ أبي عبد الله السنوسي لعقيدته الصغرى ما نصه :"
 قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ‏{وأسبغ عليكم نعمه   ‏ظاهرة و باطنة} كل ما يتلذذ به البرايا نعمة ظاهرة، وما شق عليهم من البلايا  نعمة باطنة."
 
   ثم اعلم أن الأدب قسمين :   أدب الفقهاء وأدب الصوفية ، ويندرج الأول منهما في الثانى ، فتصير إلى قسم واحد  حسبما أفصح به في "جواهر المعانى" ونص الكلام  فيه :" والأدب عند الفقهاء عبارة عن القيام  بما بعد  الواجبات والسنن من الفضائل والرغائب المتعلقة بأحوال الانسان من نوم ويقظة وأكل وشرب وذكر ودعاء ونحو ذلك. وعند الصوفية عبارة عن جمع خصال الخيروأوصاف البر، فهو وصف جامع لصفات مجيدة وأخلاق حميدة، تناسب أوصاف العبودية وجلال الربوبية، من جمَعها كان أديبا متأدبا مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه و سلم."
 

ثم اعلم أن تبديل الأخلاق ممكن مقدور عليه، خلافا لمن منع مستدلا بظاهر قوله تعالى { ‏لا تبديل لخلق الله} وبظاهر حديث:" فرَغ ربك من أربع: الخَلق و الخُلق و الرزق و الأجل." الحديث .
واستدل من يقول بأن تبديل الأخلاق ممكن . بهذه الآية { قد أفح من زكاها و قد خاب من دساها } و قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا }. و قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: " فقهوهم و أدبوهم ." ومما استدل به أيضا قوله صلى الله عليه و سلم:  " حسنوا أخلاقكم" و غيره من الأحاديث التي تدعو إلى تحسين الأخلاق .

‏و مدار التربية والتزكية في طريقتنا  المحمدية على إقامة الورد الأصلي المعلوم الذي لا يصح الدخول فيها بدونه لأحد من الخصوص ولا من العموم ، وكذا توابعه من الأذكار المشمولة باللزوم معه ، وهي الوظيفة المعروفة وذكر الهيللة بعد عصر يوم الجمعة بالمحافظة في جميع ذلك على الشروط المشروطة والآداب التي هي بغاية الحسن . و آكد الشروط و أعظمها المحافظة على الصلوات الخمس بآدابها على الحدود المحدودة لها شرعا بقدر الإمكان واسكمال شروطها وآدابها وتمام جميع ما لها من الأركان ، ثم عمارة ما يقدر على عمارته من الأوقات والساعات بالصلاة على النبى صلى الله عليه و سلم خصوصا بصلاة الفاتح لما أغلق التي هى من أسمى الذخائر، وأسنى البضاعات ،  على طريق المحبة والشكر والاعتماد على الفضل المحض الذي ليس المعول إلا عليه في بساط التحقيق من غير التزام خلوة ولا كثرة مجاهدة ولا غير ذلك مما اصطلح عليه في التربية من بعد الصدر الأول ، إذ هذه هي طريقة سيدنا رضي الله عنه التي سلكها وأمره بالتسليك بها سيد الوجود ومنبع الإمداد والجود صلى الله عليه و سلم.
‏وفى "جواهر المعاني" أنه صلى الله عليه و سلم  بعدما أعلم سيدنا رضي الله عنه  بأنه هو الواسطة بينه وبين الله تعالى والممد له و صرح له بأنه هو كفيله ومربيه دون غيره من مشايخ الطريق، وأخبره أنه لا منّة لواحد منهم عليه، لأن جميع ما يصله من الله تعالى فعلى يده صلى الله عليه و سلم  وبوساطته
ومنه إليه قال له فى وصيته التي أوصاه بها :" الزم هذه الطريقة من غير خلوة ولا اعتزال عن الناس حتى تصل مقامك الذي وعدت به وأنت على حالك من غير ضيق ولا حرج ولا كثرة مجاهدة."
‏و أشار إلى ذلك العلامة الشهير العارف الكبير سيدي عبيدة بن محمد الصغيرمؤلف كتاب "ميزاب الرحمة الربانية " في لاميته التي امتدح بها سيدنا أحمد التجاني رضي الله عنه فقال:
بلا خلوة ربَّى و ربّوا بخلوة    فشتان ما بين اليزيدين منهلا
و مرادنا من كون التربية في هذه الطريقة خالية عن التزام الخلوة و الاعتزال عن الناس و نحو ذلك مما فيه تشديد على النفس و تضييق ، و على أن التربية فيها جارية على طريقة ‏السلف الصالح من الصدر الأول التى هى الطريقة الأصلية ، وهي طريقة الشكر والفرح بالمنعم سبحانه والرياضة القلبية ، لا على الطرق الأخرى التي استنبطت واصطلح على التسليك بها من بعد القرون الثلاثة  نظرا لما اقتضته العوارض لما كثرت الأهواء و تشعبت الآراء ، وهي طريقة  المجاهدة و المكابدة و الرياضة ، فاستعانوا بذلك على تطهير النفس و تزكيتها ليستنير القلب ، مع التحذير من الغلوّ بالخروج عن حد الإتباع إلى حد الابتداع .
فالطريقة الأولى طريقة سير القلوب والثانية طريقة سير الأبدان ، و يكفي أن الفتح في الأولى هجومي لم يحصل من السالك تشوف إليه بخلاف الثانية .
‏ ونرجع إلى مكانة الأدب في طريق أهل الكمال جاء في الحديث عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" حف الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب." ، وقال سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه :" الأدب في العمل علامة قبول العمل."
‏وقال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه : " من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن
تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرا
ئض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة ."
‏‏وقال ذو النون المصري رضي الله عنه:" إذا خرج المريد عن حد استعمال الأدب فإنه يرجع
من حيث جاء . "

‏‏وأخيرا ، فهذه كلها نصوص صريحة  مفصحة  بعلو مكانة الأدب من الطريق  وسموّ قدره لدى الفحول ، و أن جميع الأعمال الدينية الموصلة إلى الحضرة القدسية، قلبية كانت أو بدنية قولية أو فعلية ، لا يعتبر شيء منها في بساط التحقيق إلا محفوفا بالمحاسن الأدبية والمحامد الصفاتية والمكارم الخلقية .
ثم إن تحلية العمل بالآداب عاجلا علامة قبوله آجلا، وأن الأدب كما يحتاج إليه المريد في أحوال بدايته، يتوقف عليه المنتهي في مقامات نهايته.


بعض تعاليم الطريقة التجانية