أسئلة شائعة \ جواب السؤال 30
جواب السؤال 30 - PDF

جواب السؤال 30


لي سؤال حول معتقدات الطريقة ، ماذا تقولون عن مبدأ توحد الذات الإلهية مع الوجود


الجواب

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله
الأخ الكريم السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

حول هذا الموضوع يقول العارف بالله سيدي محمد الحافظ المصري رضي الله عنه في " سبيل السلام "

إذا أخذت قطعة من العجين ثم صورتها بصورة شجرة، ثم هدمت تلك الصورة وصورتها بصورة إنسان ثم هدمت صورة الإنسان وجعلتها رغيفا فذلك الجرم المحسوس الذي تعاقبت عليه الصور هو واحد في الجميع. وارجع بصورة العجين إلى أنه كان قبل ذلك قمحاً، وقبل القمح تراباً. فتلك الحقيقة المحسوسة المرئية الملموسة، هي المادة المتطورة التي تلبس شتى الصور وتخلعها لتظهر بغيرها ، وكنه هذه المادة لا يزال مجهولا .
وقد جعل الهندوس أساس الوجود روحاً نورانية كونت العوالم في ذاتها من ذاتها على النسق السابق ، فهي أجزاء منها وتلك الحقيقة هي المادة لتلك العوالم بأجمعها فكل شيء جزء من ذلك النور ومنه الإنسان منه انبثق وإذا بلغ ذروة الرقي عاد إلى ذلك النور فاتحد به وتلاشى فيه ولذلك يقدسون النار مظهر النور ومثل ذلك مثل النبات يخرج من الأرض ثم ينمو حتى يبلغ أشده ثم يصير هشيماً ثم يعود تراباً فيمتزج بأصله الأرض . وهذه هي وحدة الوجود الهندوسية ،وهذا هو الفناء الهندوسي الذي يسمونه " نيرفانا"  
وهذه العقيدة الهندوسية لم يختلف المسلمون في بطلانها ، سواء في ذلك السلف والخلف ، من فقهاء ومحدثين وصوفية ومتكلمين وقراء ومفسرين
والإجماع منعقد على أن ذات البارئ عز وجل يستحيل أن تكون محلاً للحوادث ولا الحوادث محلاً لها ، وقد اتفق السلف والخلف أن كل ما أوهم ذلك في المأثور يستحيل حمله على المعهود في الخلق وإنما يراد به معنى الهي يليق بمن ليس كمثله شيء
ولا شك في ان ما يجوز فيه التجزئة ويخضع للاتحاد والامتزاج والانفصال وغير ذلك من صفات الحوادث - وان سير به في المهيع الروحاني - فقد سرى عليه قانون الحوادث حيث خالطها وخالطته ومازجها ومازجته ووقع الحد في كله أو في بعضه وما جاز عليه وصف من صفات الحوادث جاز عليه باقيها فانتفى عنه الوجوب وانتفى عنه القدم . والأحد القديم منزه عن ذلك كله فلا تجسد ولا حلول ولا اتحاد ولا مخالطة ولا سريان ولا ممازجة تعالى الحق عما يقول الظالمون علوا كبيرا
والفرق شاسع بين عقيدة الهندوس وبين الاحدية الإلهية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون فان الله عز وجل خالق كل شيء بغير اقتطاع وإذا صح في الخلق انك إذا نظرت في المرآة انطبعت صورتك فيها من غير أن ينقص منك شيء أو يقتطع ، فالحق أقدس - وله المثل الأعلى - وهو منزه عن الانفصال والاقتطاع وعن كل ما يجري على الحوادث ، وبه قام كل شيء من غير مماسة أو مخالطة

والفرق شاسع بين من يعتقد أن الحق مادة الأشياء وبين من يعتقد أن الحق قيومها وهو على نزاهته سبحانه وعلوه عن صفات الحوادث والتغيير والتبديل فهو هو قبل إنشاء المخلوقات وبعد إنشائها وهو الفاعل المختار ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن

فوحدة الوجود التي يقصدها الصوفية في نثرهم وفي شعرهم حقيقتها ان المنفرد بالوجود الحق الغني عما سواه الذي يفتقر إليه كل ما عداه هو الله وحده تبارك وتعالى

فإذا قال احدهم " لا موجود إلا الله " فإنما يعني أن وجوده تبارك وتعالى هو الوجود الحق الذاتي ، لم يكتسبه من غيره ، أما ما سواه فهو تابع لوجود الحق ، وليس له وجود من ذاته حيث لم يوجد نفسه إنما أوجده الله . ولا وجوده بنفسه فانه لا يقوم بذاته وإنما هو قائم بالله ولا وجوده لنفسه فانه لا يستطيع التصرف في ذاته وإنما هو لله يصرفه كيف يشاء فليس من ذاته ولا بذاته ولا لذاته فليس بالوجود الحقيقي . ولولا إيجاد الحق له لما كان له وجود . فهو من الله بالله لله .
وعلى هذا قد وضح أنهم يريدون بالوجود الحق الذات العلية ، وما سوى الذات لا بد له من اسم يليق به ، فالحق موجد - فاعل - والمخلوق موجد - مفعول - . والاشتراك في لفظ الوجود عند الناس اشتراك لفظي ليس باشتراك حقيقي . وحقيقة الحق أحدية ، فوجوده حقيقي وما سواه ليس بوجود حقيقي ، ولا شيئيته شيئية ذاتية
 
وقد تنزه البارئ تبارك وتعالى أن يشارك في صفة أو اسم. فالسمع الذاتي المنزه عن القيود والحدود والأعضاء والجوارح والآلات، غير سمع المخلوقات المحدود بالقيود والآلات، فالاشتراك باللفظ أمر غير الاشتراك في الحقيقة . ولا شبه بين سمع المخلوق وبين السمع الحقيقي بأي وجه من الوجوه حيث الماهية غير الماهية
وهل يعقل اشتراك حقيقي بين العلم الذاتي المطلق الذي تنشأ عنه الموجودات - وهو سابق عليها - وبين العلم الحادث عن وجود الحوادث ؟
على انك إذا حققت النظر وجدت انك ما سمعت إلا بفضل الله وما سمعت بإذنك . وما علمت إلا بالله لا بنفسك . فأنت بالله لا بك  
وعين الماء ، وان اشتركت في اللفظ مع عين الإنسان ، فهي غيرها ، وكلاهما ممكن . والحق يعلو عن التصورات والأمثال
 ومن عبر عن نور القمر في البحر بأنه نور الشمس فليس بكاذب ، فقد نشأ عنها بغير اقتطاع منها . وهذا مثل تقريبي لكلام السادة الصوفية الذي يرجع معناه إلى أن سائر الممكنات قائمة بالحق لا بذاتها
{الله لا إله إلا هو الحي القيوم } لا يحتاج لشيء ويمد العوالم كلها بحاجاتها . يمسك السماء أن تقع على الأرض ويمسك الطير. وهو قيوم كل شيء  
ومن لم يفرق بين وحدة كافر - يجعل صاحبها الحق سبحانه مادة الوجود وذلك باطل - وبين وحدة ينفى فيها المؤمن ذلك الكفر ، وينادي بان الحق سبحانه هو قيوم الوجود بلا كيف ولا مثل ، فقد برهن على جهله العريق  
فكل ما ذكر من كلام القوم رضي الله عنهم مما يفهم منه انه لا موجود إلا الله ، فهو على هذا المهيع النوراني ، ان لا موجود وجوداً ذاتياً الا الله ، وهو الحق الذي عليه جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم . رضوان الله على الجميع


أسئلة شائعة