الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ الإيمان و اليقين
الإيمان و اليقين - PDF

الإيمان و اليقين

 سئل سيدنا رضي الله عنه عن معنى قوله سبحانه و تعالى: { يوم يكشف عن ساق } القلم  الآية
فأجاب رضي الله عنه:
" اعلم أنه ورد في الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال في يوم القيامة بعد ما ذكر صلى الله عليه و سلم قال : "يقال من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع الشمس من كان يعبد الشمس ، و يتبع الطواغيت من كان يعبد الطواغيت ، حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله من بر و فاجر أتاهم الله في غير الصفة التي يعرفون، فيقول أنا ربكم فيقولون : نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصفة التي يعرفون فيقول  :"أنا ربكم!" فيقولون:" أنت ربنا!"  . ".
 فيخرون له سجدا فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا خر ساجدا ، و لا يبقى من كان يسجد اتقاء و رياء و سمعة إلا انتكص على عقبه وهي آخر فتنة تقع بأهل الموقف ، فهو مراد الآية وهو قوله سبحانه و تعالى: { و يُدْعَوْنَ إلَى السّجُودِ فلا يَسْتطيعون } القلم إلى قوله:{ وقد كانوا يُدْعَوْنَ إلى السجود و هم سالمون}
 
 وأما الكلام على العبارة بالكشف و الساق ، فالمراد هاهنا هو تبَدي ذلك الجلال و الكمال العديم المثال فهو المراد بالساق  و العبارة خرجت من مخرج الأمثال على طريق السياق عند العرب  لأنهم كانوا إذا اشتد المر و واحتيج إلى القتال الشديد و المصابرة العظيمة للأمر قالوا:" الآن كشف عن ساق" ؛ يعني: زال الريب وانزاح الرجاء الذي كان يعتقده المعتقد وأن الشدة لا تقع بهم ، فانكشف الغطاء و تبين الاحتجاج و الاضطرار على مقاساة الشدائد و الثبوت في موقف الشجاعة و شدة الصبر ، لتحمل الأثقال العظيمة حيث لا ريب في وضوحها و لا رجاء في عدم وقوعها، فيقولون:" كشف عن ساق ." هذا من حيث صورة الشيء المقابَل، و كذا أيضا هذا المثال في الشخص العامل على مقاساة الشدائد حيث ظهرت ، و الوقوف في موقف الشجاعة وتحمل الصبر على الأثقال العظيمة ، فإنه من شأن صاحب هذا الأمر أن يكشف عن ساقه و يشمر و يشد حيازيمه و يكشف عن عضديه  لملاقاة ما هناك من الشدائد فيقال:" كشف عن ساق" تعبيرا عن الملزوم بلازمه
ثم وجه ضرب المثل في هذه الآية بقوله:" يوم يكشف عن ساق "، كأن كل عابد لغير الله تعالى من الأوثان و الطواغيت ، يظن أنه ناج بعمله راج الفوز ببلوغ أمله، فانكشف لهم الأمر من الله بقوله لهم :" من كان يعبد شيئا فليتبعه فإذا اتبع العابدون ما عبدوه قُذِف بهم مع معبوداتهم في النار، فذلك هو الكشف عن ساق في ضرب المثل في الآية حيث بطل ما كانوا يرجونه بالفوز بالبلوغ للآمال، بسبب عبادتهم لغير الله تعالى من الطواغيت.
ثم تبقى الفتنة الثانية لمن عبد الله تعالى ، هو قوله :" فيأتيهم الله في غير الصفة التي يعرفون. فيقول:" أنا ربكم!" فيقولون:" نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا!" فإذا جاء ربنا عرفناه " الحديث و معنى هذا الحديث أنه تجلى لهم سبحانه و تعالى من وراء حجب الأستار ، و لم يكشف لهم صريح الجلال و أسمعهم مع هذا خطاب ذاته بقوله:" أنا ربكم!" والموقف جمع أصحاب اليقين و أصحاب الإيمان .
 فأما أصحاب اليقين فسكتوا علما منهم بأن ذلك هو الحق سبحانه و تعالى ، وهو الذي يخاطبهم بذاته و لم يعتبروا تلك الستار التي تجلى لهم بها من ورائها.
 يقول سبحانه و تعالى في هذا المعنى:{ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ." و قال سبحانه و تعالى:{و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب .} فعامة المؤمنين لجهلهم الله تعالى في مراتبه ظنوا أنه لا يكلمهم إلا إذا تبدى لهم جلاله و زالت حجب الأستار فلذا قالوا:" نعوذ بالله منك!" و الصديقون و النبيون و قد شملهم الموقف مع أهل الإيمان موقنون به أنه هو المتجلي من وراء حجب الأستار ،
 كما قال:{... في ظلل من الغمام } ، فلم يشكوا فيه لأن لهم صفو اليقين لا يقع لهم معه ريب و لا توهم

و الفرق بين الإيمان و اليقين أن رتبة الإيمان في منزلة اللبن الحليب و مرتبة اليقين في مرتبة السمن إذا كمل خلوصه و صفاؤه، فإنه كان حليبا مختلطا صفوه و غثاؤه  ثم انتقل رائبا فزالت عنه ممازجة المائية التي صحبته من الجسد ؛ فلما مخض زالت عنه اللبنية التي هي مع السمن بمنزلة النخالة مع الدقيق ، فلما صفا زبده زال عنه ما بقي عليه من القشور فظهرت صورة السمنية في غاية الصفاء و التجوهر، فهكذا اليقين كان أولا إيمانا فما زال ينتقل رتبة فرتبة إلى أن زال الرّان و الريب و الوهم ، مثاله مثل الشمس ما دام الليل ظلاما فصاحبها مؤمن بوقوع الضوء ثم ينشق الفجر عنه فيذهب الظلام شيئا فشيئا حتى إذا طلعت الشمس لم يبق اثر للظلام.
 كذلك صاحب اليقين سلبه الله صورة من صور الغير و الغيرية و لم يبق في حسه و شهوده و إدراكاته و ذوقه إلا الحق محضا سبحانه و تعالى بكل وجه  ، بكل اعتبار كما قال بعض العارفين

      فلم يبق إلا الله لا شيء غيره         فما ثم موصول و لا ثم بائن

فلهذا التحقيق لم يقع للموقنين في ذكر الموقف شك و لا ريب ، لأنهم يعلمون بل يتحققون أن تلك الأستار التي من ورائها لا شيء فيها ، إنما هي كسراب بقيعة و صورتها في ذلك صورة الهباء في الهواء أنت تراه صورا مرئية فإذا قبضته بيدك لم تر شيئا . هكذا صورة الكون عند الموقنين  و أما أصحاب الإيمان فليس الله عندهم إلا أنه ليس صورة معينة و لا جسما و لا في جهة ولا يوجد في حد و لا يقع عليه الكيف هذا حده عندهم، فلما تجلى بخلاف هذا قالوا:" نعوذ بالله منك!" فالكلام سمعوه منه سبحانه و تعالى و لكن أنكروه في الصورة ، فما مقتهم سبحانه و تعالى لأن تلك رتبة إيمانهم فتجلى لهم حينئذ في الصفة التي يعرفون ، وهي الحدود المذكورة آنفا فيقول :" أنا ربكم!" فيقولون:" أنت ربنا!" فيخرون له سجدا. الحديث.
لكن إنكارهم في المرة الأولى سلبهم أنوار اليقين فلا يتحققون شيئا، فأنكروه لما خاطبهم و في التجلي الثاني قذف فيهم أنوار اليقين فعرفوه بتلك الأنوار فقالوا:" أنت ربنا!" ، و لا تظن أن من عرف الله أيا كان من المؤمنين و الموقنين إن ذلك من قوته أو فكره ، إنما هو بنور مقذوف من عند الله تعالى فبتلك الأنوار عرفه من عرفه و آمن به من آمن به ، و بفقد تلك الأنوار كفر به من كفر.
 يقول في الخبر :" إن الله خلق الأرواح كلها في ظلمة  ثم رش عليها من نوره فمن أصابه من ذلك النور آمن و من أخطأه ذلك النور كفر." فما عرف الله إلا من عرف بالله فهو المعروف و المتعرف ، و من أبى عنه سبحانه و تعالى تركه يخوض في ظلام الكفر.

و قد ذكرنا في هذا أن هذه آخر فتنة  بأهل الموقف فإن الفتن التي قبلها كلها في يوم القيامة قد انفصلت و انقضى زمانها و صفا الموقف من المشركين  إلا من كان يعبد الله مثل اليهود فحينئذ يفصل بينهم الله سبحانه و تعالى ، ثم يبعثهم إلى النار حتى لم يبق إلا المؤمنون ، فيفصل بينهم سبحانه و تعالى.


بعض تعاليم الطريقة التجانية