الطريقة التجانية \ بعض تعاليم الطريقة التجانية \ في كيفية مقابلة الشر
في كيفية مقابلة الشر - PDF

في كيفية مقابلة الشر

سئل سيدنا رضي الله عنه:

 هل يجب أن لا تواصل من لم ترج مودته وائتلافه و إن طلبك في المواصلة ؟ لأن فائدة المواصلة هي تطييب القلوب، و أما من يظهر الود و يكتم البغض فيجب هجرانه ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله :

أما قطع مودته وائتلافه بإظهار العداوة فلا يحل شرعا و لا طبعا ، و لا يتأتى لذي عقل وافر التوجه ذلك ، لأن الله سبحانه و تعالى نصب هذا الخلق في معرض بروز الشر منهم لكل أحد ، و إن كانوا أهل خير ، لأن لله تجل في كل وقت بأمر معلوم ، و لا يخلو كل وقت من تجليه بالشر من بعض خلقه .
فالتوجه لمقاومة ذلك و مقابلته بالشر فيه ضرر كبير على العاقل ، لكن العاقل يلزمه التسليم لأمر الله فيما أراد من خلقه ، والتواضع و إظهار اللين و الإعراض ، و بذلك ينجو من عوارض الشر ، و أما من قابله بمثله فلا يزيد عليه إلا شدة و ثقلا ، عقوبة لعدم تعرفه بالعبودية التي يحيطها التواضع و الانكسار ، فإن المقابلة بالشر خروج عن حد العبودية وصاحبه في ذلك بمنزلة  من يزيد الحطب للنارلا تزداد إلا اشتعالا.

فالواجب على العبد إذا علم من شخص شدة العداوة، أن يعرض عنه أو يظهر له اللين حتى ينجو من شره، فإن الخلق مسلطون بتسليط الله تعالى، فلا ينفع فيهم إلا الإعراض عما هم فيه من الشر، قال الشافعي رضي الله عنه:

لما عفوت و لم أحقد على أحد          أرحت نفسي من حمل المشقات
إني أحَيِّي عدوي عند رؤيته          كي أذهب الشر  عني  بالتحيات
و لست أسلم من خل يصادقني         فكيف أسلم  من  أهل  العداوات

يقول صلى الله عليه و سلم : " أساس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس " فالواجب أولا إطفاء شرهم بالإحسان إليهم، و إلا فبإظهار اللين و التواضع، و إلا فبالإعراض عن مقابلته بالشر.

فالمراتب ثلاثة ، الأولى  مقابلة الإساءة بالإحسان التي قال فيها المولى عز و جل : {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }، و المرتبة الثانية إظهار اللين و التواضع ليسهل الأمر وهي التي قال فيها سبحانه و تعالى:{ خذ العفو وأْمُرْ بالعرف} . الأعراف. الآية وقال فيها تعالى أيضا  : { والكاظمين الغيظ و العافين عن الناس} . آل عمران. ، و المرتبة الثالثة هي الإعراض عنه جملة، لأن الله تعالى يحب الإعراض عن الجاهلين.
 و من ذلك  الحادثة المعروفة  حين صلح الحديبية وما حصل للنبي صلى الله عليه و سلم مع سهيل بن عمرو حين كتابة الهدنة ، و فيها أنزل الله تعالى:{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى} ، و كلمة التقوى في بعض التأويلات  هو تواضعه و إظهار اللين منه صلى الله عليه و سلم و عدم اكتراثه بجهل سهيل بن عمرو حين كذبه ، و لم يؤاخذه صلى الله عليه و سلم بما فعل فهذا اللائق بالمقام .


بعض تعاليم الطريقة التجانية