أصحاب سيدنا أحمد التجاني \ الشيخ المناعي التونسي
ترجمة الشيخ المناعي التونسي - PDF

الشيخ المناعي التونسي رضى الله عنه

و منهم العلامة المتفنن في علمي الظاهر و الباطن الجامع لشتات الفضائل و المحاسن أبو المواهب اللدنية و المناقب السنية الشيخ سيدي محمد بن سليمان المناعي التونسي، اجتمع بسيدنا رضي الله عنه بمدينة قاس و أخذ عنه طريقته المحمدية و ظفر عنه بالنظرة المنوطة بالسعادة الأبدية ، و قد أخبرني بعض الإخوان أنه رأى إجازة سيدنا رضي الله عنه له عند بعض الأفاضل الإخوان بتونس.

و حدثني بعضهم أنّ الرسالة المذكورة في جواهر المعاني قد أجاب بها سيدنا رضي الله عنه صاحب الترجمة و نصها :

و بعد نسأل الله عز و جل أن ينزل عليك اللطف و الراحة مما تشتكي منه و نسأله سبحانه و تعالى أن ينظر فيك بعين اللطف و الرحمة و المعافاة من كلّ بلية و أن يبلغك جميع الآمال و أن يتكفل بقضاء جميع حوائجك في الدنيا و الآخرة، و نسأل منه سبحانه و تعالى أن يفيض عليك بحور الخيرات و البركات في الدنيا و الآخرة و أن يفيض عليك بحور رضاه و فضله في الدنيا و الآخرة آمين.

و أما ما كتبته لي و أخبرتني به من تصرفات الأولياء السابقين طالبا مني أن أفعل في ضررك مثل ذالك كي تستريح فالجواب :

إنّ أحوال الأولياء لا تجري على قانون احد، و لا في سبيل واحد و لا حيث كل ما أرادوا، بل الأمر في ذالك موكول إلى الله جار على قانون مشيئته فما قام ولي في أمر باختياره، و لا تصرف ولي في شيء بأمره و إرادته بل كل ذالك جار على حكم مشيئة الله تعالى فإنه هو الفاعل لما يريد، فكم من ولي يجري في إظهار الكرامات على القانون الذي تعلمه العامة حيث شاء و كيف شاء، و كم من ولي عظيم القدر عالي المقام قد أدبر عن الكون بالله بحيث أن لا علم له بكل ما سوى الله فإذا أراد التصريف و إظهار الكرامات على حد ما هو معروف للأولياء منع من ذالك بحكم مشيئة الله لأمر يعلمه الله لا يعلمه غيره.

قال الجنيد رضي الله عنه لقد مشى باليقين رجال على الماء و مات بالعطش رجال أفضل منهم. ثم إنّ الأمر الذي طلبته مني في التصرف في زوال ضررك لم أجد إليه سبيلا و لا حيلة و لا تعويلا، و كل بقضاء الله و قدره، و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل، و الخواص على الجملة و التفصيل لا تدخل تحت القياس و الحكم لله بمشيئته في جميع أحوال الناس و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما آه.

و قد وقفت على جواب لطيف لصاحب الترجمة رحمه الله بعثه إلى جماعة من الأفاضل الإخوان نذكره هنا لمناسبة المقام، و لما اشتغل عليه من الفوائد الشريفة بين ذوي الأفهام و نصه :

الحمد لله من أفقر للعبيد إلى ربه محمد بن سليمان المناعي إلى إخواننا في الله السادات الفضلاء و الكرماء النبلاء أعني سيدي أحمد المثلوثي و من معه من إخواننا سلام عليكم و رحمة الله و بركاته و رضوانه يعمكم و نفحاه، أما بعد فقد بلغنا كتابكم الأعز و فهمنا ما فيه على التفصيل ثمّ أعلوا إخواننا أنّ أوراد الشيخ الأكبر الكبريت الأحمر سيدي أحمد بن سالم التجاني رضي الله عنه و أرضاه لها شروط ينكرها من لا معرفة له بكتب القوم لا سيما من عنده نبذة من كتب الفقه فإنه ينكرها أشد الإنكار و ربما تجاسر باللسان و بفاحش القول و لم يدر المغرور أنّ العروس لا يعرفها إلى أهلها.

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد         و ينكر الفم طعم الماء من سقم

و قيل في مثل هذا :

ما ضر شمس الضحى فش الأفق طالعة        إن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

الحاصل يا إخواني من التزم منكم الشروط فقد أذنت له في ورد الشيخ و وظيفته و من لم يلتزم الشروط فلا إذن له و الشروط المذكورة.

لأول منها أن لا يتركها اختيارا فإن اضطر لتركه و منعه من الذكر مانع شرعي قضاه بعد ذلك وجوبا و لا بد من القضاء.

و الثاني من الشروط أن يترك زيارة الأولياء الأحياء والأموات كبيرهم و صغيرهم من غير استثناء فرد منهم رضي الله عنهم و أرضاهم. و اقل ربما ينكر هذا الشرط من لا معرفة له بكتب القوم فقد صرحوا به في أيما كتاب من كتبهم لكن هي طريقة لبعضهم لا لكلهم و ها أنا أبين لكم ذلك بضرب مثال و ذلك أنهم صرحوا بأن التلميذ لا يصل إلى الله إلا إذا الالتفات عن غير شيخه، بحيث لا يعتقد النفع إلا من شيخه و كل شيء وصل له من الخير فيجزم بأنه على يد شيخه لا على يد غيره و حيث اعتقد وصول الخير إليه على يد غير شيخه حصلت القطيعة بينهما و تأمل الحكاية المعروفة بينهم عن خديم الشيخ الجيلاني رضي الله عنه أنه كان يوما يصاح في أمور الزاوية فدخل عليه الخضر عليه السلام فسلم عليه فرد عليه السلام و لم يرفع رأسه إليه و لا رمقه بعينه، فقال له الخضر عليه السلام يا هذا ألم تعرفني فأنا الخضر فقال له خديم الشيخ قد عرفتك و لكن محبة عبد القادر لم تترك في قلبي محلا لغيره، و الزائر للأولياء لا يخلو حاله إما أن يعتقد النفع من الولي المزار أم لا فإن اعتقد النفع منه كان إعراضا عن شيخيه و إن اعتقد النفع من شيخه لا من الولي كانت زيارته عبثا و سوء أدب مع الولي المزار و نحن لا ننكر زيارة الأولياء و لا ننكر فضلها، و إنما كلامنا إذا نبه الشيخ التلميذ على تركها وجب امتثال أمره و إلا كان معاندا للشيخ و متى عاند لا يصل إليه نفع أبدا. قيل في معنى ذلك إذا قال لشيخه لم فعلت ذا لم يفلح أبدا. الحاصل أن كتب القوم مصرحة بذلك فلا اعتراض على الشيخ لأنه تابع لبعض الأولياء لا أنه اخترع هذا الأمر، فهو رضي الله عنه مقتف لآثار بعض الصالحين، و في هذا المعنى قيل :

و كم عائب ليلى و لم ير وجهها           فقال له الحرمان حسبك يا فتى

فالموفق الكامل يلتمس الأعذار لرعاع الناس فضلا عن إمام مثل هذا فإنه بحر في علوم الشرع الظاهر لا مثيل له فيما رأت عيني يحفظ من كتب الفقه مختصر ابن الحاجب و مختصر الشيخ الخليل و تهذيب ألبراذعي على ظهر قلبه، و حكي لي إنه يحفظ جميع ما سمع من سماع واحد، على مثل هذا يعترض من لا خبرة له بفرائض الوضوء هذا كإرشاد الطبيب ليس تحرما و بعد الفتح تصح الزيارة لله المصحح و أما كتب الحديث فيحفظ صحيح البخاري و صحيح مسلم و المواطأ على ظهر قلبه، و أما كتب التوحيد فهو نظير الغزال في هذا الوقت و القلوب بيد الله يصرفها كيف شاء. و الشرط الثالث : ان لا يجمع بين ورد هذا الشيخ و ورد آخر و إن كان آخذا لورد شيخ أخر فليتركه و سواء كان ورد الشيخ الجيلاني أو الشاذلي أو الحفناوي أو سيدي أحمد بن ناصر أو سيدي محمد بنعيسى أو غيرهم من المشايخ رضي الله غنهم فلابد من ترك كل ورد منسوب لسادتنا الأولياء كالجيلاني و الحاتمي و الشاذلي و غيرهم من الأكابر و الأصاغر.

الحاصل أن لا يجمع بينه و بين ورد آخر أصلا أبدا فمن التزم هذه الشروط فقد أذنت له إذنا عاما تاما على سبيل النيابة عن الشيخ رضي الله عنه. و من لم يلتزم فلا إذن له مني و أقول ربما ينكر هذا من لا معرفة له بكتب القوم و يستدل على ذلك بقولهم التلميذ كالنحل يرغى على جميع الأشجار ليلتقط العسل إلى غير ذلك من الأدلة المذكورة في كتب الفقه و القوم، قلت هذا حق لا شك فيه و لا يمكن إنكاره و لكن إذا نبه الشيخ التلميذ عليه بأن يترك الزيارة فلابد من الامتثال و إلا كان معاندا فلا شيخوخة حينئذ و حصلت القطيعة بينهما و الشيخ في هذه الحالة له اقتداء ببعض ساداتنا الأولياء منها ما حكي عن صاحب الإبريز عن شيخه سيدي عبد العزيز رضي الله عنهما أنه قال : التلميذ كالورد المشموم إذا كثر شمه قلت رائحته و فائدته و انظر كلام الحاتمي حيث قال : التلميذ كالمريض مهما اجتمع عليه طبيبان هلك لأن الأنظار مختلفة في العلاج.

و انظر كلام البكري رضي الله عنه أنه قال التلميذ كحافر بئر إن أدام الحفر في موضع أخرج الماء و إلا كان طول عمره يحفر بلا فائدة لأنه متى لم يدم الحفر في موضع واحد لا يمكن إخراج الماء إلى غير ذلك مما هو في كتبهم.

الحاصل أننا لا ننكر فضل الأوراد و لا فضل سادتنا الأولياء نعوذ بالله من ذلك و من الاعتراض على أولياء الله و لكن نقول كلهم رضي الله عنهم على صواب و لكل وجهة هو موليها و كلهم يشربون من بحر واحد يعني بحر النبوءة و إن كان الشراب مختلفا كل واحد على قدر ما قسم الله له رزقه. الحاصل يا إخواني أن الاعتراض على أولياء الله داء عسل، ورد في الحديث من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب و من هو يقدر على حرب الله. أيمكن أن يقود الأعمى البصير أو يعترض الجاهل على العالم أو يدل من لا معرفة له بالطريق عليها كلا و الله لا يمنك هذا و قيما ذكرناه كفاية و إن كان هذا المحل يقبل أكثر هذا الكلام و الله أعلم انتهى و هو مدفون بتونس.


أصحاب سيدنا أحمد التجاني